أرانب «نبيه بري» تجعل المستحيل ممكناً ومخرج المرحلة الثانية من «ملف السلاح» ضربة أستاذ بامتياز!
يتناول المقال دور رئيس مجلس النواب نبيه بري في تفكيك عقدة «حصرية السلاح» شمال الليطاني، وإدارته للتوازنات الحكومية والسياسية لتجنّب تفكك الحكومة، في ظل الضغوط الأميركية والتصعيد الإسرائيلي وتعقيدات المرحلة الثانية التي تشمل مناطق حساسة وتداخل السلاح الفلسطيني، مع رهان لبناني على تطبيق القرار 1701 ومسارات التسوية الإقليمية.
كتبت وفاء بيضون في "اللواء":
في كل مرة تتعثّر فيها مخارج الحلول، وتستحيل الأزمة في عنق الزجاجة، وخاصة في المشهد اللبناني ذي التراكمات الكثيرة، والمثقل بأكثر من استحقاق؛ يستلّ أستاذ السياسة، وصاحب مطرقة التشريع «رئيس مجلس النواب نبيه بري»، حلولاً عجيبة تجنّب لبنان مزيدا من الغرق والتوتر والاستعصاء.
صحيح أن مواقف رئيس الحكومة «نواف سلام» حول المرحلة الثانية من «حصر السلاح شمال قطاع الليطاني» لم تكن سقطة أو زلّة لسان، بقدر ما كانت عملية استطلاع استباقية لردود الفعل، وتناغم الدولة بمؤسساتها كافة عما سينبثق عن أي قرار قد تذهب إليه الحكومة في جلسة الثامن من كانون الثاني الماضية، فحبك النبيه مخرجا آمنا لجلسة مجلس الوزراء.
كيف جرت الأمور؟
تقول مصادر مقرّبة من رئيس مجلس النواب، ان الأخير عمل على تدوير زوايا الانقسام على طاولة الحكومة، دون أن يحرف مسار القرارات الحكومية عن مسارها أو يدفع بها للتسرّع وأخذ موقف لا مكان له في زمن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.
بري اطّلع من قائد الجيش على تفاصيل ما أنجزه جنوب النهر، مستمعا بتمعّن لعرض عقلاني وعملي من العماد «رودولف هيكل» على كل تفاصيل العملية بما فيه المحاذير التي رافقت والتعاون الذي أرتقى الى مستوى المسؤولية الوطنية من أبناء الجنوب ومعهم «حزب الله» الذي أعلن التزامه بالقرار 1701 جنوب الليطاني.
تتابع المصادر، انه وبعد تناهي أجواء تشي بطرح رئيس الحكومة قرار المرحلة الثانية كما حصل في جلسة الخامس من آب من العام الفائت، سارع رئيس مجلس النواب لإرسال موفديه بكل الاتجاهات؛ هذا عدا عن اتصالات قام بها مع رئيسي الجمهورية والحكومة منبها من مغبة أية خطوة من شانها إعادة عقارب ساعة المقاطعة الشيعية الى الوراء، والذي يتمثل بانسحاب وزراء الثنائي ما يعني أن التماسك الحكومي قد يتعرض للخلل أو التفكك. وهذا تقاطع إلى حد كبير مع رؤية الرئيس «جوزاف عون» حول رغبته بإبقاء المهل المفتوحة قائمة، دون إلزام الجيش بمدة زمنية ما يتيح حرية تحرّك سياسي أوسع وأفعل بين «القوى السياسية والحكومة وحزب الله». وأجواء القصر الجمهوري التي كانت ترغب بمخرج يحرر البلد من أي تصعيد، رأت في أرانب الأستاذ مدخلا يشبه اجتراح حل يقوم على إبقاء الخطاب حول السلاح قائما، ولكن دون أي تحديد لساعة أو وقت مستندا الى قوة المنطق، التي تفرض نفسها على المشهد الميداني، وهي أن «لبنان وحزب الله قاما بكل ما هو مطلوب جنوب الليطاني انفاذا للقرار الأممي»، وعلى كيان الاحتلال أن يبادل الخطوة بخطوة، قبل الحديث الفعلي عن أي أمر آخر يتعلق بالسلاح؛ وهذا ما ظهر جليّا في بيانات التأييد لبيان الجيش من قبل الرئاستين الأولى والثانية، والتي تضمنت عبارات واضحة أهمها «كاد الإنجاز أن يكون كاملا لولا بقاء الاحتلال في الأراضي اللبنانية واستمرار اعتداءاته».
وتضيف المصادر أن «حبكة الرئيس بري» أرخت بظلها على مشاركة وزراء الثنائي الذين ذهبوا الى الجلسة دون تردد، مقتنعين بأن الحكومة لن تذهب إلى كمين أو مطب قد يحرجهم ليخرجهم من الجلسة.
إذن، مع بداية العام الجديد تزاحمت الملفات والاستحقاقات التي تنتظر لبنان، وأولى هذه المحطات جلسة الخميس في الثامن من الشهر الحالي، والتي وصف المطّلعون مقرراتها باللغة الفضفاضة حمالة الاحتمالات كافة، بعد تفكيك رئيس المجلس النيابي لصواعق التفجير التي كانت تتربص بها.
إذن، ذهب الجميع إلى ما قدّمه «الجنرال هيكل» الذي طلب تلميحا وتصريحا عدم إلزام «المؤسسة العسكرية» بأية مهلة كالتي سبق وألزم بها جنوب النهر، ليترحل الاستحقاق إلى شباط القادم حيث سيقدم «قائد الجيش رؤية وخطة غير ممهورة بزمن حول المرحلة الثانية من تسلّم السلاح». وهنا رهان كما تنقل الأوساط المتابعة على تحرك لبنان بالضغط على الدول الضامنة الزام الكيان بتطبيق اتفاق وقف اطلاق النار ليتسنّى للدولة اللبنانية الاستمرار في خطتها لما يمثل تطبيق «إسرائيل» من ممر للبنان نحو إلقاء الحجة على الجميع وعلى رأسهم «حزب الله»، الذي بات متفهّما الى حد ما رؤية الدولة مع تمسّكه بالحوار الداخلي لإيجاد استراتيجية وطنية أمنية دفاعية فعالة تحمي لبنان وتعيد مكتسباته المسلوبة بفعل الاحتلال ونواياه العدوانية.
من هنا، تحمل المرحلة الثانية الكثير من المحاذير، ولا سيما أن طبيعة الجغرافيا السياسية للمرحلة الثانية لها أهمية في منطق التنفيذ، خاصة وأن المنطقة المقصودة تشمل شريطا واسعا من «الزهراني وصيدا وجزين وصولا إلى إقليم التفاح وجبل الريحان والنبطية»، وهي ليست خطا مستقيما يمكن ضبطه بإجراء واحد، بل خليط مناطق وبلدات وتضاريس، وفي قلبها تداخل حساس بين ما هو لبناني وما هو فلسطيني. وهنا تبرز طبقة جديدة من التعقيد مع إدخال «السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، مثل مخيم عين الحلوة والمية ومية ضمن عنوان المرحلة الثانية»، فالحديث هنا ليس عن ضبط سلاح في منطقة مفتوحة فحسب، بل عن ملف تاريخي له توازنات أمنية وسياسية دقيقة، وأي خطأ في مقاربته يفتح باب الفوضى على مصراعيه، وتختم المصادر؛ «ان مواقف الرئيس عون في مقابلته الأخيرة عبر شاشة تلفزيون لبنان حملت نفس التكرار الذي ذكرناه والمرتبط بمسارات متوازية بين السلاح وتطبيق القرار 1701 من الطرفين؛ ما يعني أن لبنان ما زال عالقا بين مطرقة الضغوط الأميركية وسندان التصعيد الإسرائيلي اليومي. هذا عدا عن تقدم الأحداث الأخيرة في الداخل الإيراني التي توجب بقاء لبنان في محطة الانتظار حتى تتبلور مسارات التسوية الإقليمية».
وبالتالي ان خريطة طريق «حصرية السلاح» تسير وفق ما ترتب من مخارج، عمل على إنضاجها رئيس مجلس النواب «نبيه بري» ليبقى السؤال الأبرز في كل هذا المشهد حول مدى تمكّن الحكومة من الإمساك بمفاتيح المرحلة الثانية تبعا لتضاريس الحلول المعقّدة. فهل ما كان مستحيلا بات ممكنا؟


