عندما يتحول المنزل إلى مكتب في زمن الحرب… كيف نحافظ على التركيز؟
العمل عن بعد خلال الحروب يضع الموظفين أمام تحديات نفسية وضغوط يومية تؤثر في الإنتاجية. كيف يمكن الحفاظ على التركيز والتوازن النفسي في ظل القلق والأخبار المتسارعة؟
لم يعد العمل من المنزل مجرد خيار يمنح الموظفين مرونة أكبر في إدارة وقتهم، بل أصبح بالنسبة لكثيرين في مدن تشهد توترات أو حروباً واقعاً فرضته الظروف الأمنية. خلف شاشات الحواسيب، يحاول الموظفون متابعة مهامهم اليومية، لكنهم يفعلون ذلك في ظل ضغط نفسي متواصل وأخبار متسارعة تفرض حضورها في تفاصيل اليوم. هنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن الحفاظ على الإنتاجية في بيئة يغلب عليها القلق وعدم الاستقرار؟
في الظروف الطبيعية، يُنظر إلى العمل عن بعد باعتباره تجربة تمنح حرية أكبر وتخفف أعباء التنقل. أما في أوقات الأزمات، فيتحول إلى مساحة عمل محاطة بمشاعر الخوف والترقب. فالموظف قد يجلس إلى مكتبه المنزلي بينما يتابع في الوقت نفسه أخباراً عاجلة أو أصواتاً مقلقة في الخارج، ما يجعل التركيز مهمة صعبة.
العامل النفسي يلعب دوراً حاسماً في قدرة الإنسان على العمل. و الشعور بالأمان داخل البيئة المحيطة هو شرط أساسي للحفاظ على التركيز والإنتاجية، لأن القلق المستمر يستهلك الطاقة الذهنية ويشتت الانتباه. و المنزل قد يتحول إلى مساحة عمل مناسبة إذا شعر الفرد فيه بالطمأنينة والتنظيم، بينما قد يكون المكتب خياراً أفضل للبعض إذا كان يقع في منطقة أكثر استقراراً.
لكن التحديات لا تتوقف عند مستوى التركيز فقط، إذ تظهر أحياناً مؤشرات نفسية تدل على أن التوتر تجاوز حدوده الطبيعية. فصعوبة التركيز، وسرعة الغضب، واضطرابات النوم أو الشهية قد تكون علامات على ضغط نفسي يحتاج إلى دعم متخصص. وفي هذه الحالات، يصبح طلب المساعدة أمراً ضرورياً، خصوصاً عندما يبدأ القلق بالتأثير على الحياة اليومية.
من ناحية أخرى، يعاني بعض العاملين عن بعد شعوراً بالذنب بسبب تراجع إنتاجيتهم. إلا أن خبراء الصحة النفسية يرون أن هذا الشعور غير عادل في ظروف استثنائية، حيث يعيش الإنسان في ما يمكن وصفه بـ"وضع البقاء". في مثل هذه الحالات، يصبح التعاطف مع الذات جزءاً أساسياً من التوازن النفسي، لأن توقع الأداء ذاته الذي يتحقق في الأوقات الطبيعية قد يكون غير واقعي.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد وحدهم، فالشركات والمؤسسات تلعب دوراً مهماً في التخفيف من الضغوط. إذ يرى مختصون أن المرونة في ساعات العمل، وتجنب إجبار الموظفين على التنقل من مناطق غير آمنة، وتعديل آليات العمل لتناسب الظروف، كلها خطوات ضرورية للحفاظ على استمرارية العمل دون تحميل الموظفين ضغوطاً إضافية.
كما يشير خبراء إلى أن الإفراط في متابعة الأخبار قد يزيد التوتر النفسي. فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى التركيز على الأخبار السلبية، ما يؤدي إلى تنشيط الجهاز العصبي وزيادة القلق. لذلك يُنصح بتحديد أوقات محددة للاطلاع على المستجدات، بدلاً من متابعة الأخبار بشكل مستمر طوال ساعات العمل.
وفي مواجهة هذه الضغوط، قد يساعد الالتزام بروتين يومي واضح على استعادة قدر من التوازن. فبدء اليوم في وقت محدد، وارتداء ملابس العمل، وتخصيص مساحة واضحة للعمل داخل المنزل، كلها خطوات بسيطة تساعد الدماغ على التمييز بين وقت العمل ووقت الراحة. كما أن وضع حدود واضحة داخل المنزل، خصوصاً في وجود أفراد العائلة، قد يسهم في تحسين القدرة على التركيز.
في النهاية، يبقى القرار بين العمل من المنزل أو المكتب مرتبطاً بعامل أساسي واحد: مستوى الأمان. ففي المناطق غير المستقرة، قد يكون المنزل الخيار الأكثر واقعية، بينما قد يمنح المكتب في بيئة آمنة تركيزاً أكبر لبعض الأشخاص. وبين الخيارين، تبقى الحقيقة الأهم أن الإنتاجية لا تنفصل عن الشعور بالأمان، وأن الحفاظ على التوازن النفسي يصبح أولوية قبل أي إنجاز مهني.


