الخطاب "السوقي" كبديل عن الهزيمة

ينتقد مروان الأمين في هذا المقال سياسة المسايرة التي انتهجها الرئيس جوزاف عون تجاه حزب الله، ويعرض كلفة هذه المقاربة على هيبة الدولة وسلطة الجيش، في ظل تمسك الحزب بسلاحه وتصاعد الخطاب التصعيدي والمهين تجاه رموز الدولة اللبنانية.

يناير 22, 2026 - 07:42
 0
الخطاب "السوقي" كبديل عن الهزيمة

 كتب مروان الأمين في "نداء الوطن":

 منذ وصول الرئيس جوزاف عون إلى سدّة الرئاسة، اختار اعتماد مقاربة إيجابية ومنفتحة في تعاطيه مع "حزب اللّه"، مقاربة لُخصت يومًا بعبارة: "علينا احتضانه لأنه مجروح".

تعامل عون مع ملف سلاح "حزب اللّه" بكثير من الهدوء والرويّة، مفضلًا الحوار الثنائي الهادئ داخل "الغرف المغلقة" على طاولات الحوار الموسّعة التي غالبًا ما تتحوّل إلى منابر للمزايدات والشعارات الشعبويّة.

على امتداد السنة الأولى من العهد، تبنى الرئيس، بشكل مباشر أو غير مباشر، رواية "حزب اللّه" في ما يتصل بالتزام لبنان باتفاق وقف الأعمال العدائية، مقابل عدم التزام إسرائيل، رغم علمه بأن "الحزب" لا يزال يرفض حتى اليوم تسليم الجيش اللبناني أي خرائط عن منشآته العسكرية تسهّل بسط سلطته جنوب الليطاني.

هذه المسايرة استمرّت على الرغم من المواقف المتكرّرة لقيادات "الحزب"، التي أكّدت التمسّك بالسلاح، وأعلنت إعادة التسلّح، وتُهدّد بالحرب الأهلية في حال المساس بالسلاح. ومع ذلك، لم يصدر عن قصر بعبدا أي موقف حازم يردّ على هذه التصريحات، على الرغم ممّا تحمله من إضعاف واضح للموقف الرسمي اللبناني ولمكانة الجيش أمام المجتمع الدولي.

وفي سياق الحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ذهب الرئيس عون إلى حدّ اتخاذ موقف منحاز إلى "حزب اللّه" في حادثة الروشة، في مواجهة رئيس الحكومة، رغم إدراكه أن خطوة كهذه تصيب هيبة الدولة في الصميم. وربّما فضل حينها تجاوز حادثة اعتبرها "سطحية"، كإضاءة صخرة الروشة، للتركيز على ما رآه جوهر المشكلة: ملف السلاح.

لكن بعد مرور عام على العهد، تبيّن أن كلفة هذه السياسة كانت مرتفعة. فقد خسر الرئيس عون الكثير من رصيده الشعبي والسياسي، وبدل أن يبادر "الحزب" إلى مُلاقاة يد عون الممدودة، يبادله بلغة الإهانة والسوقية، وبموقف يحمل جميع أشكال التحدّي والعنجهية. بالتوازي، تواصل إسرائيل استهداف "حزب اللّه" واغتيال عناصره من دون أن ينجح السلاح في تأمين الردع أو الحماية. 

من هنا، جاءت مصارحة عون الأخيرة، خلال مقابلته التلفزيونية، داعيًا "حزب اللّه" إلى التعقل وتسليم سلاحه للدولة، بعدما بات عبئًا على الطائفة الشيعية وعلى لبنان ككل.

غير أن ردّ "حزب اللّه" على عون لم يأخذ في الاعتبار سنة كاملة من الإيجابية والتفهّم. فأعلن الشيخ نعيم قاسم أن "حزب اللّه" هو الأكثر "تعقلًا" في لبنان، وردّ على مطلب تسليم السلاح، بـ : "طويلة ع رقبتكم".

من الواضح أن "الحزب" يقرأ اليد الممدودة على أنها ضعف، فيقابلها بمزيد من الإهانات والعنجهية والتخوين.

ربّما يلجأ "حزب اللّه" إلى هذا الخطاب السوقي لـ "شدّ عصب" جمهوره، وللتعويض عن إذلاله اليومي من قبل إسرائيل. لكن لم يعد مقبولًا أن تمرّ الإهانات العلنية لرموز الدولة والاستخفاف بالجيش اللبناني من دون موقف حازم، وأن يكتفي المسؤولون حيالها بسياسة دفن الرأس في الرمال أو "صمّ الأذنين". فلُغة الإهانات والتخوين والتهديد بحرب أهلية، بقدر ما تُسيء إلى المسؤولين بشخصهم، تُهين أيضًا الدولة برمزيتها، وتنسف أيّ محاولة لاستعادة هيبتها.

آن الأوان لأن يضع المسؤولون، وفي مقدّمهم الرئيسان عون وسلام، ومعهما المؤسسة العسكرية، حدًّا لخطاب "حزب اللّه" السوقي والمتعجرف. فكيف لمواطن أن يثق بدولته، أو لمجتمع عربي ودولي أن يحترم مسؤوليه، إذا كانوا يُخاطَبون بـ "طويلة ع رقبتكم"، من دون أن يقابله موقف رسمي حازم، أو ملاحقة قضائية، أو حتى استدعاء للتحذير والتوبيخ؟