هل وصلت العلاقة بين عون وحزب الله الى «نقطة اللاعودة»؟
هل وصلت العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وحزب الله إلى نقطة اللاعودة؟ مقال تحليلي يتناول تصعيد الخطاب الرئاسي تجاه حزب الله، خلفياته السياسية، ردود فعل الحزب وبيئته الحاضنة، وانعكاسات الضغوط الإقليمية والدولية على ملف سلاح المقاومة، جنوب الليطاني، ودور الدولة والجيش في المرحلة المقبلة.
كتب ابراهيم ناصر الدين في "الديار":
هل وصلت العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وحزب الله الى «نقطة اللاعودة»؟ سؤال يطرح نفسه بقوة لدى القليل من المحبين، والكثير من اصحاب النوايا السيئة، بعدما فاجأ الرئيس الجميع في مناسبتين متتاليتين، باستخدام مفردات «قاسية» مع الحزب وبيئته الحاضنة، بدأت بمخاطبتهم باعتبارهم «فريقا آخر»، وصولا الى نعتهم امام السلك الديبلوماسي «بالمغامرين». ووصف ما قام به الجيش في جنوب الليطاني" بتنظيف المنطقة من الميليشيات»، فضلا عن استعارته لكلام الامين العام السابق لحزب الله الشهيد السيد حسن نصرالله، «الامر في ما ترون لا ما تسمعون»، للتأكيد على ان ما ينجز على الارض في مسألة «حصر السلاح»، عكس ما يصرح به مسؤولو الحزب، وفي مقدمتهم الشيخ نعيم قاسم!
هذا التدرج في التصعيد الكلامي من قبل الرئيس، لا يعرف بعد اذا كان مجرد تغيير في اللهجة السياسية، او ان مواقفه مقدمة لاجراءات ملموسة، في ظل استحقاقات داهمة تنتظر البلاد، التي تتعرض لحملة ضغوط ديبلوماسية هائلة، تزامنا مع تصعيد اسرائيلي كبير يستهدف شمال الليطاني.
وفق مصادر مطلعة على الاجواء في بعبدا، لم يغير الرئيس ثوابته المعلنة في السر والعلن، وما قاله في الايام القليلة الماضية حمل تغييرا في المفردات، وليس تغييرا في جوهر الموقف الذي تم التعبير عنه في خطاب القسم، وكذلك في اللقاءات الخاصة مع الحزب، وما يقال في الغرف المغلقة يقال علنا. اما اسباب ارتفاع حدة اللهجة، فيعود الى وجود عتب واضح من قبل الرئيس على قيادة حزب الله، باعتبارها لا تساعده في هذه الاوقات الحرجة على العبور بالبلاد الى «بر الامان»، عبر التمسك بمواقف تعتبرها بعبدا غير واقعية، ولا تنسجم مع موازين القوى الراهنة. وقد رأت دوائر القصر في كلام الشيخ نعيم قاسم الاخير تصعيدا، وردا مباشرا على المواقف الاخيرة للرئيس، الذي وجد نفسه مضطرا للمجاهرة بمواقفه، لاعتقاده ان الاوضاع الراهنة لا تحتمل المسايرة، وتحتاج الى قول الوقائع كما هي، مهما كانت قاسية.
هذه التبريرات، لا تجد من «يشتريها» على الضفة الاخرى، والاجواء في بيئة حزب الله محتقنة للغاية، وثمة لوم شديد على قيادة الحزب لانها تذهب بعيدا في مهادنة الرئيس، على الرغم انه تجاوز في تعبيراته بكثير ما قاله يوما رئيس الحكومة نواف سلام!
ووفق اوساط مطلعة على الاجواء في حارة حريك، لا يجد حزب الله نفسه معنيا في «كسر الجرة» مع الرئيس عون ، على الرغم من العتب الكبير على مواقفه غير المبررة، برأي الحزب، بعد ان تعاونت المقاومة الى اقصى الحدود مع العهد حتى قبل ولادته، فلولا «الثنائي» لما انتخب عون رئيسا، وجرى التعامل بايجابية مطلقة مع تشكيل حكومة العهد الاولى، كما كان التعاون مطلقا مع تنفيذ خطة «حصر السلاح» جنوب الليطاني، وتم استيعاب قرارات الحكومة في الـ5 والـ7 من آب. واليوم يقدم الشيخ قاسم خطابا يعد الاكثر واقعية في مقاربته للاحداث، ويمنح في كل مرة الرئيس «أوراقا» تساعده في مواجهة الضغوط الخارجية، ومنها الاعلان عن انتهاء دور الحزب اقليميا، وانتهاء دور المقاومة الهجومي، والتسليم بدور الجيش والدولة في حماية السيادة، والاكتفاء بالدفاع عن النفس اذا حصل هجوم اسرائيلي، مع الاعلان عن الاستعداد لإيجاد تسوية لملف السلاح ضمن استراتيجية الامن الوطني.
لكن ماذا حصل في المقابل؟ غض النظر رئاسيا عن تفلت وزير الخارجية يوسف رجي من ضوابط السياسة الوطنية، سبقها تعيين السفير سيمون كرم ممثلا مدنيا في «الميكانيزم»، في سياق تقديم التنازلات المجانية لاسرائيل، التي تعمل سياسيا على دفن اللجنة، وميدانيا تعمل على توسيع رقعة الاستهدافات، ثم فجأة يصعد الرئيس في خطابه الاتهامي للحزب. هل هذه مجرد مصادفات؟
لا ترى تلك الاوساط ذلك، وتشير الى ان ثمة من يعتقد ان سقوط ايران مسألة وقت، ولهذا يتموضع في المكان الذي يظنه مناسبا، باعتبار ان الحزب سيزداد ضعفا. وكان اول من تلقف هذا المناخ رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تقصد التأكيد على ان انعكاسات ما يحصل في طهران، غير مؤثر على الساحة اللبنانية. وهو بذلك ينصح الجميع بعدم الانجرار وراء الحسابات الخاطئة، خصوصا ان ثمة من يهمس في محيط الرئيس، بامكانية تكرار ما يحصل مع «قسد» في سوريا مع حزب الله.
وفي هذا السياق، يمكن الجزم ان «ندوبا» كبيرة أصابت العلاقة بين الرئيس عون وحزب الله، لن يستطيع الحزب الاستمرار طويلا باستراتيجية «الصمت» وعدم الرد المباشر، ثمة ضغوط كبيرة من البيئة الحاضنة، لا رغبة بقطع الجسور، لكن ثمة الكثير من التوضيحات باتت مطلوبة، وقد يكون الشهر المقبل ساحة لاختبار النوايا، حيث بات الربط واضحا بين تقديم الدولة «شيء ما» في شباط «شمال الليطاني»، مقابل مؤتمر دعم الجيش في آذار. وهكذا فان تحول المواقف السياسية المتشددة الى وقائع، سيؤدي حتما الى تصادم لن يكون من مصلحة احد.


