بالصوت أميركا....حبها سذاجة وكرهها غباء
مقال سياسي تحليلي يناقش العلاقة المعقدة مع الولايات المتحدة بين الحب والكراهية، ودورها كقوة عظمى تحكم النظام العالمي، مع قراءة واقعية في البراغماتية الأميركية، ازدواجية المعايير، وأفضل سبل التعامل معها في عالم تحكمه الميكيافيلية السياسية.
كتب محمد جابر:
في الحديث عن أميركا من الصعب ان تجيب بالأبيض او الاسود، من السذاجة ان تحبها ومن الغباء ان تكرهها، ففي الغالب أميركا تجعلك مجبرا على ان تعطيها مزيج من الحب والكراهية، لانها هي دوما الشرطي الذي ينظم السير، والقاضي الذي يحكم.
فكيف ستحب أميركا حينما ترى انها تمشي مع بنيامين نتنياهو بشكل اعمى، تتركه يفعل ما يشاء من دون سؤال او حتى خطوة للجم اندفاعه اللامتناهي نحو الاجرام والقتل، وفي المقابل تدخل الى منزل مادورو وتخطفه مع زوجته بحجج مرفوضة من الشرائع والقوانين الدولية، بعض النظر عن تقييمنا لنظامه.
في المقابل كيف ستسمح لنفسك بكره اميركا، وانت تحلم بجواز سفر اليها، تغريك طريقة عيشها، تدغدغ مشاعرك ديمقراطيتها وأسلوب تداول السلطة والمحاسبة فيها، لذا التناقض في الشعور سيجعلك اقرب لأميركا احيانا، وبعيد عنها لمسافات طويلة احيانا اخرى.
بكل بساطة أميركا اليوم تحكم العالم ، ومن المستحيل مواجهتها ان لم تكن تطبق المدرسة الاميركية في تفاصيل حياتك، وسر الذكاء الاميركي ان معظم خصومها مع الاسف هم من الأغبياء الذين يريدون محاربتها، اما بالشعارات الرنانة او بالروحانيات او بالأسلوب التقليدي للحروب الذي اكل عليه الدهر وشرب، وهي دوما تتقدم الى الامام وخصومها يعودون مسافات الى الوراء.
الحل الانسب لخصوم أميركا اليوم كي يوجهون ضربة اليها يوما ما، هي ان يكونوا اصدقائها، ويدخلون في سلام حقيقي معها مبني على الواقعية، والاخذ بعين الاعتبار الاختلال الكبير في موازين القوى ان عسكريا او اقتصاديا واجتماعيا وتكنولجيا، فلا انتصار على أميركا الا بالسلام معها، ومحاولة الإستفادة من نمط حياتها كي يبنون لانفسهم قدرة على مجاراتها يوما ما.
الكل يعلم اليوم ان فكرة "اخلاقية العمل السياسي" لم تعد موجودة في علم السياسة الحديث، بل ان جرعة الميكيافيلية الى ازدياد في زمننا الحاضر، فالسياسة اصبحت حقا "الغاية تبرر الوسيلة" خصوصا في عصر الترامبية الحديث.
لذا واستنادا لكل ذلك، لا داعي للغضب من اميركا، ولنفتح جميعا قناة اتصال معها فهي ستحكم عالمنا على الاقل في مئات السنين القادمة، وليعتبرها البعض شر لا بد منه، ولنوقف الفكر العدائي تجاهها، ولنكن اميركيون افضل من مواجهة ستنتهي بنا الى زوال، فاميركا هي الداء والدواء.


