كيف تحولت البيانات الفضائية إلى "جنرال" الحرب اليوم؟

مارس 9, 2026 - 10:53
 0
كيف تحولت البيانات الفضائية إلى "جنرال" الحرب اليوم؟

 كتبت سكينة السمرة في "النهار":

 بين تضاريس لبنان المعقدة واتساع الجغرافيا الإيرانية، تعيد حرب البيانات تعريف قواعد الحرب. فبينما تحصي الأقمار الاصطناعية أنفاس التحركات العسكرية من الفضاء، تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بغربلة ملايين الصور لاكتشاف أدنى تغييرٍ في البيئة الميدانية. هذا التزاوج بين التكنولوجيا العسكرية والقدرات الفضائية جعل من المعلومة سلعةً استخباراتيةً تفوق في قيمتها دقة القذيفة، ليصبح الفضاء هو الجبهة الأولى والأخيرة في صراعات القرن الحادي والعشرين.

 وفي الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت هذه الأدوات بوضوح، إذ تحولت السماء والفضاء السيبراني إلى ساحةٍ موازيةٍ للقتال تعمل فيها شبكات من الأقمار الاصطناعية وأجهزة الاستشعار والقدرات السيبرانية والأنظمة الإلكترونية، لتحديد الأهداف ورصد التحركات العسكرية واعتراض الصواريخ وتعطيل أنظمة الملاحة ومتابعة مسار المعركة لحظةً بلحظة.  

  يشكّل الفضاء العمود الفقري لمنظومات الإنذار المبكر الحديثة، إذ تستطيع الأقمار الاصطناعية المزوّدة مستشعراتٍ تعمل بالأشعة تحت الحمراء رصد الحرارة المنبعثة من الصواريخ بعد إطلاقها، ما يتيح تحديد مواقع منصات الإطلاق ومساراتها. ويوضح برنت ديفيد زيارنيك، الأستاذ السابق في برنامج قوة الفضاء بجامعة جونز هوبكنز والضابط المتقاعد في سلاح الجو الأميركي، في تصريح لصحيفة "ذا بوست"، أن هذه المنظومات تعمل تحديداً عبر "استخدام أقمارٍ اصطناعيةٍ مزوّدةٍ مستشعراتٍ بالأشعة تحت الحمراء لتحديد مواقع إطلاق الصواريخ".

 وتلعب قوة الفضاء الأميركية دوراً رئيسياً في هذا المجال، إذ تدير شبكةً من الأقمار الاصطناعية المصممة لمراقبة عمليات إطلاق الصواريخ وتوفير إنذارٍ مبكرٍ للقوات الأميركية وحلفائها. وبفضل هذه الأنظمة يمكن نقل البيانات فوراً إلى مراكز القيادة، حيث تُحلَّل مسارات الصواريخ ويتم توجيه أنظمة الدفاع لاعتراضها.

وتشير تقارير إلى أن هذه المنظومات هي من تساعد إسرائيل في اعتراض الصواريخ الإيرانية، عبر دمج بيانات الأقمار الاصطناعية بمنظومات الدفاع الجوي.

 رغم أن الأقمار الاصطناعية تدور في الفضاء، فإن جزءاً كبيراً من العمل يجري على الأرض. ففي منشآتٍ مغطاةٍ بقِبابٍ راداريةٍ تُعرف باسم الرادوم، يقوم مختصون عسكريون بتحليل البيانات القادمة من الأقمار الاصطناعية في الزمن الحقيقي.

وتعمل هذه الفرق على احتساب مسارات الصواريخ بدقةٍ وتحديد نقاط سقوطها المحتملة، ثم إرسال المعلومات فوراً إلى وحدات الدفاع الجوي أو القوات المنتشرة. هذه العملية تجعل اكتشاف التهديدات الصاروخية يتم بعد ثوانٍ قليلة من إطلاقها.

 وفي هذا المجال، كانت صحيفة "نيويورك تايمز" ذكرت أن الضربات الإيرانية التي نفذت منذ بداية الحرب، ألحقت أضراراً بالبنية التحتية للاتصالات العسكرية الأميركية في 7 مواقع عسكرية على الأقل.

 وأوضحت الصحيفة، استناداً إلى تحليل صور الأقمار الاصطناعية ومقاطعٍ مصوّرة موثّقة، أن الضربات استهدفت الرادومات وأطباق الأقمار الاصطناعية ومحطات الاتصالات، ورادار تتبع الصواريخ الباليستية AN/TPY-2، مشيرةً إلى أن إيران سبق أن استهدفت منظومات الاتصالات العسكرية الأميركية في يونيو/تموز الماضي.

 البيانات كسلاح لتعطيل الخصم

إلى جانب الرصد الفضائي، تُستخدم البيانات أيضاً كسلاحٍ هجوميّ عبر الحرب الإلكترونية والسيبرانية. فالتشويش على أنظمة الملاحة المعتمدة على الأقمار الاصطناعية أصبح أحد التكتيكات الشائعة في الحروب الحديثة.

وخلال الأيام الأولى من الحرب، تعرّضت أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية لتشويشٍ واسع، ما أدى إلى اضطرابٍ في أنظمة تحديد المواقع لدى مئات السفن التجارية، حتى إن بعضها أظهر مواقع خاطئة على الخرائط.


ويهدف هذا النوع من الحرب الإلكترونية أساساً إلى تعطيل الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة بالأقمار الاصطناعية، لكنه قد يؤثر أيضاً في أنظمة الملاحة المدنية.

 الذكاء الاصطناعي يسرّع تحليل البيانات

لم تعد الأقمار الاصطناعية تكتفي بتوفير الصور، بل أصبحت جزءاً من منظومة تحليل بياناتٍ متقدمةٍ تعتمد على الذكاء الاصطناعي. فهذه الأنظمة قادرة على مقارنة صورٍ ملتقطةٍ في أوقاتٍ مختلفةٍ واكتشاف التغييرات الميدانية تلقائياً، مثل تحرك الآليات العسكرية أو إنشاء مواقع جديدة.

وفي هذا السياق، صرح الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية مصطفى الأسد، في حديث إلى "النهار"، أن الحروب الحالية أصبحت حروب بيانات بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن الأقمار الاصطناعية العسكرية والمدنية لعدد من الدول تلعب دوراً فاعلاً في متابعة العمليات العسكرية.

وأوضح أن صور الأقمار الاصطناعية باتت توفر معلوماتٍ استخباراتيةٍ دقيقةٍ للغاية، لافتاً إلى أن بعض الصور التي نُشرت من دول قبل اندلاع الحرب أظهرت تفاصيلاً عن مواقع تمركز القوات والطائرات العسكرية، بما يشبه تسريباً لمعلومات استخباراتية عالية الدقة.

وأشار إلى أن عدداً من الدول الكبرى يمتلك قدراتٍ فضائيةٍ متقدمة، إلا أن معظم المعلومات التي تجمعها تبقى سريةً، مؤكداً أن ما يُنشر في الإعلام لا يمثل سوى جزءٍ ضئيلٍ من الحقيقة. وقال إن ما يعرفه الرأي العام قد لا يتجاوز خمسة في المئة من الصورة الكاملة، بينما تبقى النسبة الأكبر من المعلومات داخل غرف العمليات العسكرية.

 أقمار اصطناعية مرتبطة بأنظمة الذكاء الاصطناعي

ووفق الأسد، فإن الأقمار الاصطناعية الحديثة أصبحت مرتبطةً بأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقوم بتحليل الصور والبيانات فور وصولها. فبدلاً من اعتماد المحللين على متابعة الصور يدوياً، تستطيع الخوارزميات مقارنة صور اليوم بالأيام السابقة وتحديد أي تغيير ميداني بدقة كبيرة.

وأضاف أن الأقمار الاصطناعية ترسل تغذيةً معلوماتيةً مستمرة لحظةً بلحظة، وعند مرورها فوق هدفٍ محتملٍ تنقل البيانات مباشرةً إلى أنظمة التحليل التي تقوم بتقييم الوضع واقتراح الأهداف المحتملة للوحدات العسكرية المنتشرة.

لكنه لفت إلى أن مسألة السماح للذكاء الاصطناعي باتخاذ قراراتٍ قتاليةٍ مستقلةٍ ما زالت محل جدل، رغم النقاشات التي دارت حول استخدام نماذجٍ متقدمةٍ مثل Claude في التطبيقات العسكرية.

 المراقبة الجوية في لبنان

أما في لبنان، فيشير إلى أن الأقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع تُستخدم أساساً لمراقبة التغيرات في البيئة الميدانية، حتّى حدوث تغيير بسيط في التضاريس، مثل إزالة شجرة أو فتح طريق جديدة أو مرور آليةٍ ثقيلة في منطقةٍ معينة.

ويضيف أن المراقبة تعتمد أيضاً بشكل كبير على الطائرات المسيّرة وطائرات الاستطلاع التي تحلق بشكل دائم، نظراً إلى صغر المساحة الجغرافية للبنان مقارنةً بدول واسعة مثل إيران، حيث تصبح الأقمار الاصطناعية أكثر أهميةً بسبب اتساع الأراضي.

 الفضاء… ساحة الحرب الجديدة

تكشف هذه التطورات أن المعركة لم تعد تقتصر على الأرض أو البحر أو الجو، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الواسع والفضاء السيبراني. فالأقمار الاصطناعية اليوم جزء من شبكةٍ واسعةٍ تجمع البيانات وتحللها وتحوّلها إلى قراراتٍ عسكريةٍ سريعة.

ومع انتشار الطائرات المسيّرة والأسلحة الموجهة بالأقمار الاصطناعية، لم يعد السلاح وحده هو الذي يحدد مسار المعركة، بل أيضاً المعلومات التي تدور في مدار الأرض.