«مولانا»… بطلٌ هارب يعيش على حافة الانكشاف!

منذ حلقاته الأولى، يفرض «مولانا» حضوره الدرامي عبر حكاية رجل يهرب من جريمة دفاعًا عن شقيقته ليجد نفسه في هوية جديدة تضعه على حافة القداسة والخطر، في اختبار يومي بين النجاة وانكشاف السر.

مارس 1, 2026 - 22:18
مارس 2, 2026 - 09:31
 0
«مولانا»… بطلٌ هارب يعيش على حافة الانكشاف!

كتبت هناء بلال 

مع انطلاقة مسلسل "مولانا" فرض العمل نفسه بقوة جماهيرية لافتة، لا تستند فقط إلى حضور بطله تيم حسن، بل إلى الحدث الصادم الذي افتتح الحكاية منذ الحلقة الأولى. جريمة يرتكبها دفاعًا عن شقيقته المعنّفة أمام أطفالها، لتتحول لحظة الغضب إلى نقطة تحوّل درامية تدفعه إلى الهرب بحثًا عن بداية جديدة، فتتبدّل المسارات وتتشابك المصائر.

الهروب لم يكن انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل عبورًا نحو هوية أخرى. انتحال شخصية رجل يلتقيه في طريق فراره ويموت أمامه، يضعه في موقع يقترب من القدسية، محاطًا بهالة من الوقار والخطر في آن.

هنا يبدأ الامتحان الحقيقي: رجل يعيش داخل دور لا يشبهه تمامًا، يخوض لعبة مستترة النتائج، ويختبر هشاشة الحقيقة كل يوم.

يقدّم العمل جرعة درامية مرتفعة الإيقاع، تجعل المشاهد مترقّبًا للتفاصيل ومتفاعلًا معها. ويضيف تيم حسن لمساته الخاصة، إذ يترك الشخصية على بساطتها، ويدسّ حرف الجيم بلكنة محبّبة، فيخفّف من حدّة الجدية بلمسة عفوية صنعت «ترندًا» جديدًا كما اعتدنا منه كل عام، من «يا عفو الله» إلى «لا تهكلي للهم» وصولًا إلى «اسمي زابر».

المسلسل من كتابة لبنى حداد وإخراج سامر البرقاوي، ومن إنتاج الصبّاح اخوان، ويقدّم هذا العام صورة بطل مختلفة عمّا سبق. فبعيدًا عن سطوة "الهيبة" ونفوذها، نرى هنا بطلًا مأزومًا، خائفًا من انكشاف أمره، يعيش على حافة السقوط الدائم. جابر ليس بطلًا تقليديًا، بل رجل يحاول النجاة كل يوم داخل قناع يثقل روحه.

يقدّم تيم حسن في «مولانا» أداءً متزنًا وعميقًا، يراهن على التفاصيل الصغيرة ونبرة الصوت المرتبكة ليجعل من جابر رجلًا يمشي بثقل السرّ فوق كتفيه، لا بسطوة البطل التقليدي. 

ولا يكتفي «مولانا» بسرد حكاية هروب وانتحال هوية، بل يضع بطله في مواجهة ماضٍ مثقل بالقهر. فجابر ليس مجرد رجل يختبئ خلف اسم آخر، بل إنسان خرج من عتمة السجون بعدما ذاق التعذيب والصعق بالكهرباء والضرب الوحشي،  وشهد إهانة شقيقته أمام عينيه من دون أن يملك القدرة على حمايتها.

 هذه الندوب لا تُستثمر للشفقة، بل لتأكيد قيمة إنسانية أساسية في العمل: أن الكرامة قد تُسحق لكنها لا تموت، وأن الإنسان، مهما طحنه الاستبداد وأكممت السلطة فمه، يبقى قادرًا على البحث عن خلاصه واستعادة صوته.

هنا يتحول جابر من هاربٍ من جريمة إلى شاهدٍ على زمن القمع، يحمل في داخله صراع الضحية الذي يرفض أن يتحول إلى نسخة أخرى من جلاده.

ومن أبرز عناصر القوة، عودة فارس الحلو بشخصية العقيد كفاح، في أداء ناضج ومتماسك يبرهن أن السنوات تنضج الخبرة ولا تطفئها. حضوره منح العمل توازنًا دراميًا واضحًا.

 كذلك تألق وسيم قزق بشخصية "مشمش"، جامعًا بين الكوميديا والحس الإنساني ببراعة لافتة. تفاصيله الصغيرة، من النظرة الشاردة إلى الابتسامة الخجولة، نسجت شخصية تنتمي إلى كوميديا سوداء بملامح إنسانية شفافة.

يبقى النقاش الأوسع لم يكن تمثيليًا بقدر ما كان متعلقًا بفرضية العمل. فمنذ عرض الحلقات الأولى، أشار متابعون إلى تقاطعات مع الفيلم الإيراني "مارمولك" او "السحلية". 

الاقتباس بحد ذاته ليس تهمة؛ فالدراما تقوم على إعادة صياغة الأفكار وتحويرها.  هنا يبرز سؤال الصدقية: هل نحن أمام إعادة قراءة واعية، أم مجرد تبديل في البيئة والأسماء؟

في المحصلة، يملك «مولانا» عناصر جذب حقيقية: افتتاحية قوية، أداء محسوب، وشخصية رئيسية تعيش توترها الداخلي بصدق.

وهو يقف اليوم في منطقة نجاح جماهيري شبه محسوم، بانتظار أن يثبت في الحلقات المقبلة أن رهانه ليس على الصدمة الأولى فحسب، بل على تطور درامي يحافظ على عمق الفكرة ويمنحها فرادتها.