الحمّام الجديد في صيدا… حين يتوضأ الحجر بذاكرة المدينة ويعود التاريخ نابضًا بين القباب

في قلب صيدا القديمة، يروي “الحمّام الجديد” حكاية ثلاثة قرون من التاريخ العثماني، قبل أن يعود اليوم كمتحف تراثي نابض بالحياة، يحفظ ذاكرة المدينة تحت قبابه المزيّنة بالضوء والزجاج الملوّن.

فبراير 28, 2026 - 10:41
 0
الحمّام الجديد في صيدا… حين يتوضأ الحجر بذاكرة المدينة ويعود التاريخ نابضًا بين القباب

تحقيق وتصوير: هناء بلال

تحافظ مدينة صيدا على أجواء رمضانية مميّزة، حيث تتعانق الأزقة الضيّقة مع عبق التراث العثماني، وتتلألأ الحجارة القديمة تحت أضواء الفوانيس، فيستوقفك “الحمّام الجديد” كأنّه صفحة حيّة من كتاب التاريخ.

في قلب المدينة القديمة، بين حَيَّي مار نقولا وحارة اليهود، وعلى شارع يحمل اسمه، ينتصب هذا المعلم العثماني شاهداً على زمنٍ كانت فيه الحمّامات العامة فضاءً اجتماعياً بامتياز، تُعقد فيه اللقاءات، وتُنسج فيه العلاقات، وتُناقش شؤون التجارة والسفر.

شُيّد الحمّام عام 1720 على يد التاجر المغربي مصطفى حمود، كما تروي الأبيات الشعرية المنقوشة فوق مدخله الحجري، ليكون آنذاك أحدث حمّام في صيدا. وقد بُني وفق النمط العثماني التقليدي الذي يعتمد تسلسلاً وظيفياً يبدأ بقاعة الاستقبال (البرّاني)، ثم ينتقل إلى الغرف الدافئة (الوسطاني)، وصولاً إلى الغرف الساخنة (الجواني).

يتألّف المبنى من عشر غرف رئيسية، تتوزّع بين أحواض استحمام فردية وجماعية، وغرف تدليك وبخار، إضافة إلى غرف تبديل الملابس. أرضياته مرصوفة برخام ملوّن ومشغول بعناية، فيما ترتفع فوقه قباب نصف كروية مرصّعة بقطع زجاج ملوّن صغيرة تُعرف بـ“القمريات”، تسمح لأشعة الشمس بالتسلّل في خطوط ضوئية ناعمة تعكس سكون المكان وروحانيته.

وتقع في الوسط قاعة استقبال فسيحة تتوسّطها نافورة رخاميّة مثمّنة الشكل، كانت تتغذّى من مياه الينابيع الطبيعية، وتحيط بها مصاطب حجرية مخصّصة لجلوس الزائرين واستراحتهم قبل الانتقال إلى غرف الاستحمام. كما ضمّ الحمّام نظام تسخين تقليدياً يعتمد على أفران تحت الأرض (بيت النار)، حيث كانت المياه تُسخَّن وتُوزَّع عبر قنوات فخارية داخل الجدران وتحت البلاط، ما يحافظ على حرارة متوازنة في مختلف الأقسام.

ومن التفاصيل اللافتة تخصيص إحدى الغرف لأبناء الجالية اليهودية في صيدا، حيث كانوا يمارسون طقوسهم الدينية المرتبطة بالطهارة، ما يعكس البعد التعددي والاجتماعي الذي طبع المدينة عبر تاريخها.

عُدّ الحمّام الجديد الأكبر والأجمل في صيدا، وثاني أكبر حمّام في لبنان، وأكثرها زخرفةً من حيث النقوش الهندسية والزخارف النباتية التي تزيّن الجدران والعقود الحجرية. وبفضل موقعه على الطريق الرئيسية، شكّل محطة أساسية للتجار والمسافرين القادمين إلى المدينة أو المغادرين منها، فكان ملتقى لمختلف الطبقات الاجتماعية.

غير أنّ عام 1948 شكّل نقطة تحوّل مع وصول شبكات المياه إلى المنازل، فتراجع دوره وأُغلق، ثم استُخدم لفترة كمشغل نجارة ومستودع. وتعرّض لأضرار خلال الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أن تُصيب القذائف قبابه في اجتياح عام 1982، ليدخل بعدها في عقود طويلة من الإهمال.

اليوم، وبعد أعمال ترميم دقيقة حافظت على طابعه المعماري الأصلي، عاد الحمّام الجديد لينبض بالحياة كمتحف تراثي ومساحة ثقافية تحتضن معارض فنية توثّق تاريخ المدينة. ومن أبرزها معرض “Revival” للرسّام البريطاني توم يونغ، الذي أعاد عبر لوحاته رسم ذاكرة المكان وسكّانه، فاستعادت الجدران أصواتها، وعاد الضوء يتسرّب من القباب كما كان قبل ثلاثة قرون.