من الإعلامي إلى الناشط… لانا مدوّر تراجع مرحلة وتكشف خطأها الأكبر!
لانا مدوّر تعترف بسقطة إعلامية خلال الثورة، وتؤكد أهمية التوازن والأسلوب الواعي، وذلك خلال مشاركتها في فعالية Catalyst Circle في الجامعة الأميركية في بيروت
كتبت هناء بلال
في اعتراف صريح ونادر في المشهد الإعلامي اللبناني، أعادت الإعلامية لانا مدوّر فتح واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسيرتها المهنية، ووصفت أدائها الإعلامي خلال الثورة اللبنانية بـ «أكبر سقطة إعلامية» لها، معتبرةً أنّ الانزلاق من دور الإعلامي إلى موقع الناشط السياسي أفقد الخطاب توازنه، وأربك جوهر الرسالة الإعلامية.
وأوضحت مدوّر أنّ الحماسة والوجع العام دفعا كثيرين، بمن فيهم الإعلاميون، إلى التخلي عن المسافة المهنية، والوقوع في فخ التعبير عن الرأي بأسلوب حاد وغير بنّاء. وقالت إنّها، عند مراجعتها لتلك المرحلة، اكتشفت قصورًا في فهم الآخر، وضعفًا في إدارة الاختلاف، ما قادها إلى حالة لا تشبهها ولا تمثّل الإعلام الذي تؤمن به. وشدّدت على أنّ الأسلوب ليس تفصيلاً، بل ركيزة أساسية في قدرة الإعلامي على أداء دوره بمسؤولية وتوازن، خصوصًا في لحظات الانقسام والاضطراب.
جاءت هذه المواقف خلال مشاركتها في فعالية Catalyst Circle، التي استضافتها الجامعة الأميركية في بيروت – كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB)، ضمن مبادرة تهدف إلى تعزيز التواصل وبناء القدرات لدى السيدات، وفتح مساحات حوار حول القيادة، الإعلام، والخيارات المهنية الواعية.
الحوار الدي ادارته د.ندى خداج صبح تناول قضايا تعنى بشؤون المرأة، ورأت مدور أنّ النساء غالبًا ما ينقدن إلى تأجيل القرارات وتأخير الخطوات، مؤكدةً أنّها لم تنظر يومًا إلى نفسها من زاوية القهر بسبب كونها امرأة. وقالت: «أنا لا أتعامل مع العالم كأنني امرأة في مواجهة الرجل، بل كإنسان لديه أحلام. أرفض فكرة المعارك الجندرية، وأؤمن بأن العلاقة مع الآخر يجب أن تُبنى على العدالة لا الصراع».
وفي المقابل، لم تُغفل الإشارة إلى الواقع القانوني المجحف بحق المرأة في لبنان، حيث ما تزال محرومة من أبسط حقوقها، وفي مقدّمها حق منح الجنسية لأولادها.
واعتبرت مدوّر أنّ الشعوب العربية تعيش عمومًا تحت وطأة الظلم والتعب والإرهاق النفسي، نتيجة تراكم الأزمات، ما ينعكس مباشرة على الخطاب العام وعلى الخيارات الفردية.
وعن مسيرتها الإعلامية، أوضحت أنّ انطلاق منصات التواصل الاجتماعي شكّل نقطة تحوّل مفصلية، إذ أدركت أنّنا أمام ثورة إعلامية حقيقية تفرض على الإعلامي البحث عن مساحات حرّة للتعبير، خصوصًا عندما لا تتقاطع آراؤه مع سياسات المؤسسات التي ينتمي إليها. ولفتت إلى أنّ هذه المنصات باتت تؤدي دورًا أساسيًا في بلورة الرؤية الشخصية وتأسيس تجارب إعلامية مستقلة قابلة للتطوّر.
وتطرّقت مدوّر إلى مرحلة شهدت فيها الشاشات غزوًا لصور الفتيات الجميلات والمبالغ في جمالهن وجرأة إطلالاتهن، معتبرةً أنّ هذا النموذج لا يشبهها، ولا يعكس ما تريد تقديمه. ومن هنا، قررت خوض تجربة صناعة المحتوى، رغم ما رافقها من تحديات، احتاجت خلالها إلى وقت لفهم التجربة والتصالح معها.
وفي سياق متصل، رأت مدوّر أنّ إدارة المشاعر تمثّل أحد أكبر التحديات التي تواجه المرأة في بيئة العمل، مؤكدةً أنّ الوعي بالمشاعر لا يعني الضعف، بل يشكّل عنصر قوة. وقالت: «لا تسمحي لأحد أن يدمّركِ. من ينال من طموحك أو صحتك النفسية يفعل ذلك لأنك منحتِه المساحة»، مشدّدةً على أهمية الوعي بأساليب التواصل وحدود العلاقة مع الآخرين.
أما عن صناعة المحتوى وإدارة المشاريع الصغيرة، فاعتبرت مدوّر أنّ التكنولوجيا اليوم تشكّل أداة تمكين حقيقية للمرأة، تفتح أمامها آفاق الاستقلال المهني، وتساعدها على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للنمو والاستدامة.
بهذا الخطاب الهادئ، النقدي، والمتصالح مع الذات، قدّمت لانا مدوّر نفسها كنموذج لطاقة أنثوية طموحة لا تقوم على الصراع، بل على الوعي والمراجعة والاختيار. طاقة لا تخجل من الاعتراف بالخطأ، ولا تخشى إعادة التموضع، وتؤمن بأن القوة الحقيقية للمرأة تكمن في وضوحها مع نفسها، وقدرتها على تحويل التجارب القاسية إلى مساحات نضج وبناء، لا إلى شعارات أو معارك فارغة.


