الاختراق الصهيوني للإعلام اللبناني: من المقالات المدسوسة إلى حرب الوعي ضد المقاومة
كتب باسم الموسوي:
لم يكن الإعلام في الصراع العربي-الصهيوني مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كان منذ البداية أحد ميادين الحرب الأساسية. فالحركة الصهيونية أدركت مبكراً أن السيطرة على الرأي العام العربي لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. ولذلك لم تقتصر استراتيجيتها على القوة العسكرية أو التحالفات الدولية، بل شملت أيضاً بناء شبكات دعاية واختراق إعلامي داخل المجتمعات العربية نفسها. ويكشف التاريخ أن لبنان، بحكم موقعه الثقافي والإعلامي في المشرق العربي، كان أحد أهم ميادين هذه الحرب الخفية.
فالصحافة اللبنانية منذ بدايات القرن العشرين كانت الأكثر انتشاراً وتأثيراً في العالم العربي. وكانت مقالاتها تصل إلى فلسطين وسورية والعراق ومصر، وتشكل جزءاً من النقاش السياسي العام في المنطقة. ولذلك رأت الحركة الصهيونية أن التأثير في الصحافة اللبنانية يمكن أن يغير اتجاهات الرأي العام العربي، أو على الأقل يضعف تضامنه مع الشعب الفلسطيني.
البدايات: اختراق الصحافة في الثلاثينيات
تكشف الوثائق التي تناولتها دراسة محمود محارب حول المقالات الصهيونية المدسوسة في الصحف اللبنانية والسورية أن الوكالة اليهودية – التي قادت المشروع الصهيوني قبل قيام إسرائيل – نظمت في ثلاثينيات القرن العشرين حملة إعلامية منظمة لاختراق الصحافة العربية. وقد استهدفت هذه الحملة خصوصاً الصحف اللبنانية والسورية خلال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939).
وتظهر هذه الوثائق أن جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية تمكن من نشر ما لا يقل عن 280 مقالاً مدسوساً في الصحف اللبنانية والسورية خلال تلك السنوات، وهي مقالات كتبها موظفون في الجهاز الصهيوني ونُشرت بأسماء عربية مستعارة أو باسم هيئات تحرير الصحف نفسها.
كانت هذه المقالات تبدو وكأنها تحليلات سياسية عربية، لكنها في الحقيقة كانت جزءاً من حملة دعائية تهدف إلى تشويه صورة النضال الفلسطيني وإعادة صياغة الخطاب السياسي في المنطقة.
وكالة الشرق: جهاز دعاية عربي
لم يقتصر النشاط الصهيوني على زرع المقالات داخل الصحف، بل امتد إلى إنشاء مؤسسات إعلامية كاملة تعمل في العالم العربي. فقد أنشأت الوكالة اليهودية عام 1934 وكالة أنباء باللغة العربية في القاهرة باسم “وكالة الشرق”.
وكان الهدف من هذه الوكالة تزويد الصحف العربية بالأخبار والتحليلات التي تخدم المشروع الصهيوني، مع الحرص على إخفاء العلاقة بينها وبين الوكالة اليهودية حتى لا تفقد مصداقيتها. وقد طلب المسؤولون الصهاينة من القائمين على الوكالة أن يظهروا بمظهر الحياد وأن يقدموا معلومات تبدو موضوعية، مع تمرير الرسائل السياسية المطلوبة في الوقت نفسه.
وبهذه الطريقة أصبحت الدعاية الصهيونية جزءاً من تدفق الأخبار في الصحافة العربية، دون أن يدرك القارئ العادي مصدرها الحقيقي.
شراء الصحف والصحافيين
تكشف الوثائق أيضاً أن الاختراق الإعلامي لم يكن يعتمد فقط على الدعاية، بل على المال أيضاً. فقد كان جهاز الوكالة اليهودية يدفع مبالغ مالية لبعض الصحف أو الصحافيين مقابل نشر المقالات التي يكتبها.
وكان ثمن نشر المقال الواحد يتراوح بين جنيه فلسطيني واحد وجنيهين، وهو مبلغ كان كافياً لإغراء بعض الصحف التي كانت تعاني من صعوبات مالية.
بل إن التقارير تشير إلى أن الوكالة اليهودية نجحت لفترة قصيرة في شراء عدد من الصحف العربية في لبنان وسورية عام 1938 واستخدامها لنشر المواد المؤيدة للصهيونية أو لمنع نشر المواد المعادية لها.
وكانت مهمة هذه الصحف واضحة:
نشر الأخبار التي تلمع صورة المشروع الصهيوني، مهاجمة الثورة الفلسطينية، والترويج لفكرة التفاهم العربي-اليهودي على حساب الحقوق الفلسطينية.
صناعة الانقسام العربي
لم تكن المقالات المدسوسة تهدف فقط إلى الدفاع عن الصهيونية، بل إلى تفكيك التضامن العربي مع فلسطين. فقد ركزت على إثارة الخلافات بين الدول العربية أو داخل المجتمعات العربية نفسها.
فبعض المقالات دعا مثلاً السوريين إلى التركيز على قضاياهم الداخلية مثل مسألة لواء الإسكندرون بدلاً من دعم الثورة الفلسطينية. كما حاولت مقالات أخرى إثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين أو بين القيادات الفلسطينية المختلفة.
بهذه الطريقة تحولت الصحافة إلى ساحة لتفتيت الوعي السياسي العربي بدلاً من توحيده.
من فلسطين إلى لبنان: تحوّل الهدف
مع مرور الزمن، لم تعد الحرب الإعلامية الصهيونية تقتصر على الدفاع عن المشروع الصهيوني في فلسطين، بل توسعت لتستهدف كل القوى التي تقاوم إسرائيل في المنطقة.
وفي لبنان تحديداً، أصبح الإعلام أحد ميادين المواجهة بعد ظهور المقاومة اللبنانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً بعد اجتياح لبنان عام 1982. فقد أدركت إسرائيل أن المقاومة لا يمكن هزيمتها عسكرياً فقط، بل يجب أيضاً ضرب البيئة الاجتماعية والسياسية التي تحتضنها.
ومن هنا ظهرت استراتيجيات إعلامية جديدة تهدف إلى تجريد المقاومة من شرعيتها داخل مجتمعها.
الحرب على الوعي
تعتمد هذه الاستراتيجية على عدة أساليب إعلامية متكررة، يمكن ملاحظة جذورها في الحملات الدعائية التي ظهرت منذ الثلاثينيات.
أول هذه الأساليب هو تشويه صورة المقاومة عبر تصويرها كقوة خارجة عن الدولة أو كسبب للأزمات الاقتصادية والسياسية في لبنان.
وثانيها فصل المقاومة عن مجتمعها عبر الإيحاء بأن بيئتها الاجتماعية هي ضحية لها أو أنها رهينة لها، وهو خطاب يهدف إلى تفكيك العلاقة بين المقاومة وجمهورها.
أما الأسلوب الثالث فهو إعادة تعريف الصراع بحيث يبدو وكأنه صراع داخلي لبناني أو إقليمي، وليس صراعاً مع الاحتلال الإسرائيلي.
بهذه الطريقة تتحول المعركة الإعلامية من مواجهة مع إسرائيل إلى صراع داخلي داخل المجتمع اللبناني نفسه.
الإعلام كأداة حرب
إن ما تكشفه الوثائق التاريخية حول المقالات المدسوسة في الصحف اللبنانية والسورية يظهر أن اختراق الإعلام العربي ليس ظاهرة جديدة، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد.
فالحركة الصهيونية منذ بداياتها فهمت أن الإعلام يمكن أن يكون سلاحاً لا يقل أهمية عن الجيوش. فمن خلال الإعلام يمكن تغيير صورة الصراع، وتوجيه الرأي العام، والتأثير في القرارات السياسية.
وهذا ما جعل الحرب الإعلامية أحد أهم ميادين الصراع في الشرق الأوسط.
خاتمة
إن تجربة اختراق الصحافة اللبنانية في ثلاثينيات القرن العشرين تكشف أن الصراع مع المشروع الصهيوني لم يكن يوماً مجرد صراع عسكري. فقد كان أيضاً صراعاً على الوعي وعلى الرواية وعلى تشكيل الرأي العام.
واليوم، بعد عقود من تلك التجربة، يبدو أن المعركة نفسها ما زالت مستمرة بأدوات جديدة ووسائل أكثر تطوراً. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح ساحة للصراع السياسي والاستراتيجي.
وفي هذا السياق، يصبح فهم تاريخ الاختراق الإعلامي أمراً ضرورياً لفهم طبيعة الصراع الحالي، لأن الحرب على الوعي قد تكون في كثير من الأحيان أخطر من الحرب على الأرض.


