النزوح بعد إنذارات الإخلاء… كيف يؤثر فقدان أفراد الأسرة على الصحة النفسية للنازحين؟

داخل مدرسة تحوّلت إلى مركز إيواء للنازحين في لبنان، تلقّت عائلات خبر وفاة ثلاثة من أفرادها بعد نزوحها تحت القصف. لحظة إنسانية قاسية تكشف الأثر النفسي العميق للحرب والنزوح على العائلات.

مارس 6, 2026 - 12:45
 0
النزوح بعد إنذارات الإخلاء… كيف يؤثر فقدان أفراد الأسرة على الصحة النفسية للنازحين؟

 اعداد هناء بلال

بين الصفوف المدرسية التي تحوّلت فجأة إلى مراكز إيواء، وبين حقائب صغيرة تختصر حياة عائلات نزحت على عجل بعد إنذارات الإخلاء، وصلت أخبار ثقيلة لم يكن أحد مستعداً لها.

خلال وجودنا داخل إحدى المدارس التي تستقبل نازحين، تلقّت بعض العائلات خبر وفاة ثلاثة من أفراد أسرتها في مناطقهم التي غادروها تحت القصف. لحظة صمت ثقيلة خيّمت على المكان؛ وجوه مذهولة، دموع مكتومة، وأطفال لا يفهمون تماماً ما الذي تغيّر فجأة في عيون الكبار.

 وبين صدمة الخبر، ومحاولة التأقلم مع حياة مؤقتة داخل مدرسة، يعيش كثير من النازحين حالة نفسية معقّدة تجمع بين الحزن والقلق وعدم اليقين حول ما سيأتي بعد ذلك.

هذا الواقع يفتح باباً واسعاً للحديث عن الأثر النفسي العميق الذي يتركه فقدان أفراد الأسرة خلال الحروب والنزوح، خصوصاً عندما يتزامن الحزن مع ظروف معيشية صعبة وغموض يحيط بالمستقبل.

هذا النوع من الفقدان يترك أثراً نفسياً عميقاً لدى النازحين، خصوصاً عندما يبقى مصير الشخص المفقود مجهولاً. فالقلق المستمر حول سلامة الأحباء، وعدم معرفة ما إذا كانوا أحياء أو أين أصبحوا، يضع العائلات في حالة من التوتر النفسي الدائم بين الأمل واليأس.

تشير الدراسات النفسية إلى أن الأشخاص الذين يفقدون أحد أفراد أسرهم خلال النزاعات أو النزوح قد يعانون مستويات مرتفعة من اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق، إضافة إلى ما يعرف بالحزن المعقّد؛ وهو نوع من الحزن الطويل والمكثف الذي يستمر لفترات طويلة ويؤثر على الحياة اليومية. وغالباً ما تظهر أيضاً أعراض جسدية مثل الإرهاق المزمن أو آلام الجسد نتيجة الضغط النفسي المستمر.

لكن ما يجعل التجربة أكثر قسوة في حالات النزوح، هو ما يسميه علماء النفس بـ"الخسارة الغامضة". ففي هذه الحالة يكون الشخص غائباً جسدياً لكن حضوره النفسي يبقى قوياً، لأن العائلة لا تملك دليلاً واضحاً على مصيره. هذا الغموض يمنع أفراد الأسرة من تقبّل الفقدان أو المرور بمراحل الحداد الطبيعية، ويجعل حياتهم وكأنها معلّقة بين الانتظار والخوف.

وفي لبنان، حيث يضطر العديد من العائلات إلى النزوح المتكرر بعد إنذارات الإخلاء، يتضاعف الضغط النفسي. فالنازح لا يواجه فقط ألم فقدان شخص عزيز، بل يعيش أيضاً حالة عدم يقين بشأن مستقبله ومكان إقامته وأمان عائلته. ويصف الباحثون هذا الوضع بـ"الغموض المزدوج": غموض مصير الشخص المفقود من جهة، وغموض حياة النزوح وما يحمله من مستقبل غير واضح من جهة أخرى.

ورغم قسوة هذه التجارب، تظهر العديد من العائلات قدرة لافتة على الصمود. فالانخراط في الأنشطة اليومية، والعمل، والالتقاء بالأقارب أو الجيران، إضافة إلى الممارسات الدينية والروحية، كلها عوامل تساعد بعض النازحين على التكيّف مع الضغط النفسي. كذلك تلعب مبادرات الدعم المجتمعي والخدمات الإنسانية دوراً مهماً في مساعدة العائلات على التعامل مع هذه الظروف.

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن فهم التأثير النفسي لفقدان أفراد الأسرة أثناء النزوح ما زال محدوداً، وأن الحاجة ملحّة إلى المزيد من الدراسات والبرامج الداعمة. فالعائلات التي تعيش تجربة الفقدان في زمن الحرب تحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي مستمر، إلى جانب تسهيل عمليات البحث عن المفقودين ولمّ شمل الأسر متى أمكن.

في زمن النزوح والحروب، لا تكون الخسارة دائماً واضحة أو نهائية. أحياناً يكون الألم الأكبر هو الانتظار الطويل لمعرفة مصير شخص غاب في لحظة فوضى، وبقيت ذكراه حاضرة في قلب العائلة التي تبحث عن الأمان… وعن جواب.