الأكراد في لبنان... مواطنون "قيد الدرس"
يسلّط هذا المقال الضوء على واقع الأكراد في لبنان، أعدادهم، جذورهم التاريخية، وأزمتهم القانونية والحقوقية، بين التهميش والذوبان في الهوية اللبنانية، وسؤال الاعتراف بهم كقومية مستقلة.
كتب نادر حجاز "ام تي في":
اعتاد اللبنانيون في 21 آذار من كل عام على مشهدية كردية، في عيد "النوروز"، أو رأس السنة الكردية. فيتجمعون في منطقة ملتقى النهرين الشوفية، أو سابقاً في الدالية قرب صخرة الروشة، بأزيائهم التقليدية وملابسهم الملوّنة، وعلى وقع أغانيهم الشعبية، احتفالاً بـ"انتصار النور على الظلام" وبشمس على رايتهم يعتبرونها "رمزاً للحرية لكل شعوب العالم".
نزل الأكراد إلى شوارع بيروت في الأيام الماضية، هذه المرة ليس احتفاءً إنما تضامنًا مع الأكراد في سوريا، حيث نظّموا تظاهرةً أمام مبنى "الإسكوا"، بعد الأحداث الدائرة بين الحكومة السورية و"قسد".
أعاد المشهد أكراد لبنان إلى الواجهة، فما هو حجم الجالية الكردية؟ كم يبلغ عددهم؟ وهل هم لبنانيون؟
لا دراسات مؤكّدة حول عدد الأكراد في لبنان، لكنهم يشكلون جالية واسعة ومنتشرة، وبينما كان تعدادهم حوالى 60 ألف كرديّ في العام 1958، تشير تقديرات إلى أنهم يبلغون اليوم ما بين 100 و150 ألف شخص.
وبينما أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، بالتزامن مع الأحداث الأخيرة، مرسوماً رئاسياً يضمن حقوق الأكراد وخصوصياتهم لتكون مصونة بنصّ القانون، كما الاعتراف بهم كقومية لهم لغتهم وعيدهم وثقافتهم، لا ينسحب هذا الواقع على لبنان.
فالدولة اللبنانية لا تعترف بالأكراد كقومية، وهم ليسوا جزءاً من تعداد طوائفها الـ18، إنما يُعتبرون جزءاً من الطائفة السنية، ومع من تمثيلٍ خاصٍّ لهم في المجلس النيابي أو البلديات والإدارات والوظائف. في حين تبرز في السنوات الأخيرة جمعيات ثقافية واجتماعية تحاول إبراز الخصوصية الكردية في لبنان، والمطالبة بإدماجهم في الهوية الوطنية اللبنانية بشكل أكبر. فالمرشحة الكردية الأولى للانتخابات مثلاً تسجّلت في دورة 2018، وكانت نائبة رئيس رابطة نوروز الثقافية الاجتماعية للكرد في لبنان حنان عثمان في دائرة بيروت الثانية، ولكن عن المقعد السني.
تضيع هوية الأكراد الخاصة بهم في لبنان، ليذوبوا في محيطهم إلى درجة التهميش، ليس فقط على المستوى السياسي، إنما على المستوى القانوني حتى، وهنا المصيبة الكبرى.
تشير إحصاءات تعود للعام 2012 إلى أن 40 في المئة من أكراد لبنان لا يحملون الجنسية اللبنانية، إنما بطاقات "قيد الدرس"، تحرمهم من أبسط مقومات الحياة الأساسية من حق العمل والتملك والتعليم والطبابة وسواها. رغم أن وجودهم في لبنان ليس حديثاً، فهم جاؤوا على مراحل عدة تعود جذور أقدمها إلى الحقبة الأيوبية في القرن الثاني عشر، حين ترسّخ هذا الحضور مع قدوم صلاح الدين الأيوبي إلى المشرق، ولاحقاً خلال العهد العثماني. وإن كانت الهجرة الأكبر من تركيا وسوريا والعراق تعود الى مطلع القرن العشرين نتيجة الاضطهادات السياسية، لا سيما في أعقاب المجازر العثمانية عام 1915 بحق الأرمن والأكراد، ما يفسّر عودة أصول معظم أكراد لبنان إلى ولاية ماردين في تركيّا.
شمل التعداد السكاني في العام 1932 الأكراد، وهؤلاء هو مواطنون لبنانيون من ذلك الحين. إلا أن ارتفاع أعداد الوافدين منهم بعد الاستقلال، لا سيما في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، جعل الأكراد في لبنان عرضة لواقع قانوني هشّ، انعكس عليهم اقتصادياً واجتماعياً، فاستقرّ قسم من هؤلاء في مناطق فقيرة من بيروت، مثل الكرنتينا والنبعة، وأخرى في البقاع وطرابلس. مع الإشارة إلى أن الأكراد يتمركزون في بيروت وضواحيها كالمصيطبة وعين المريسة وسواها، وبقاعاً في بعلبك والهرمل وشتورة وبر الياس، وشمالاً في طرابلس وعكار.
الواقع المتردي وغياب الحقوق دفع بالآلاف منهم إلى الهجرة باتجاه أوروبا في الثمانيات، لا سيما بعدما عمدت الدولة اللبنانية إلى إزالة الكثير من أحيائهم الشعبية غير الشرعية. لتستمر المعاناة الكردية إلى اليوم، فمرسوم التجنيس عام 1994 الذي أصدره الرئيس رفيق الحريري، لم يشمل إلا 18 ألف كردي فقط، وبقي عدد كبير من دون جنسية أو مكتومي القيد.
عبثاً يبحث الأكراد عن وطن لهم، ولا ينفصل واقعهم في لبنان عن قضيتهم المركزية، ما ينعكس عليهم تغييباً على أكثر من صعيد. لتتقاذهم رياح التغييرات الكبرى، فيما يناضلون للحفاظ على وجههم الخاص ولو بالموسيقى والأزياء التقليدية والأعلام وصورة عبدالله اوجلان، الذي سبق وحط في لبنان في أعقاب الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980، وأسّس أول معسكر تدريبي رسمي لحزب العمال الكردستاني في البقاع، الذي عُرف لاحقًا باسم "معسكر معصوم قورقماز"، قبل ان يضطر للمغادرة مع إطلالة التسعينات.
احتضن لبنان الأكراد منذ عقود، فكان واحة حرية لهم حين اضطُهدوا وهُجّروا، ليعود شبح الحرب ويلاحقهم من جديد، في صراع كبير بين التمسّك بهويتهم الخاصة أو الذوبان في دولهم... فهل يعترف لبنان بهم يوماً ما كقومية مستقلة ويكونوا الطائفة الـ19؟


