وفاء طربيه… ما تبقّى من هيبة التمثيل اللبناني!

وفاء طربيه، الممثلة اللبنانية القديرة التي أعادت تعريف الأمومة على الشاشة، وحافظت على أخلاقيات التمثيل بين الدراما التاريخية والمودرن، بصوتٍ وحضورٍ لا يشيخان.

يناير 22, 2026 - 13:50
 0
وفاء طربيه… ما تبقّى من هيبة التمثيل اللبناني!

حين تُذكر وفاء طربيه، لا يتقدّم اسمها بوصفه “أمًّا درامية” فقط، بل كوجهٍ تأسيسي من وجوه التمثيل اللبناني الذي تشكّل على الصرامة والصدق والالتزام. وفاء طربيه ليست ابنة دور واحد ولا زمن واحد؛ هي ممثلة عبرت الفصحى والعامية، التاريخي والاجتماعي، الصمت والكلمة، من دون أن تفقد بوصلتها المهنية.

نشأت في تنورين الفوقا، في بيئةٍ جبلية تُجيد الاقتصاد في الكلام وتُراكم الفعل. تلك التربية انعكست مباشرة على علاقتها بالمهنة: احترام الوقت، تقديس النص، ورفض الارتجال المجاني. في بداياتها، ومع مرحلة البث المباشر في تلفزيون لبنان، تعلّمت أن الخطأ مكشوف وأن الأداء امتحان لحظي لا يُرمَّم بالمونتاج. من هناك، تشكّل وعيها بأن التمثيل مسؤولية لا زينة.

تميّزت طربيه بقدرتها على بناء الشخصية من الداخل. لا تُغريها “اللقطة”، بل المسار. أدّت أدوارًا متناقضة بليونة محسوبة: امرأة سلطة تُخفي هشاشتها، وأمًّا مكسورة تُخفي صلابتها، جدة إقطاعية وجدة فقيرة، شخصية ناطقة وأخرى صامتة. في الأعمال الحديثة، ذهبت إلى الاقتصاد التعبيري، فجعلت من الصمت لغة ومن الإيماءة معنى. حضورها، حتى حين يقلّ الحوار، يظلّ محوريًا.

تنقلت طربيه بين أدوار متناقضة بمرونة لافتة: الأم القاسية والحنونة، الأرستقراطية والخادمة، القوية والمقهورة، الصامتة التي تقول الكثير، والثرثارة التي تُخفي الألم. لم تكن “الأم” عندها قناعًا واحدًا، بل حالات إنسانية مركّبة، تفيض بالخبرة والوجع والحكمة. وفي السنوات الأخيرة، اختارت الصمت أداءً، فصار حضورها أقل كلامًا وأكثر تأثيرًا.

في مواقع التصوير، تُعرف بانضباطٍ صارم وهدوءٍ مُقنع. لا ترفع الصوت، ولا تُصعّد الخلافات، لكنها لا تتنازل عن كرامة العمل. اختارت النصوص التي تحترم عقلها، حتى لو كانت المشاركة “ضيف شرف”. لم تكن النجومية عندها رقمًا في العقد، بل أثرًا بعد العرض. وفي زمن تغيّرت فيه معايير الاختيار، حافظت على مسافة أخلاقية واضحة من الاستسهال.

إلى جانب الشاشة، شكّلت الإذاعة مساحةً أساسية في تجربتها؛ ساعات طويلة خلف الميكروفون، أداء متواصل، وقدرة على شدّ المستمع بالصوت وحده. وفي الدبلجة، صار صوتها ذاكرة طفولة، لا يقلّ حضورًا عن صورتها. كما شاركت في الإعلانات الصوتية والمصوّرة، من دون أن تفصل بين “العمل التجاري” والاحتراف.

لا تُختصر وفاء طربيه بلقب، ولا تُستعاد كحنين فقط. هي تجربة عمل تُذكّر بأن التمثيل حرفة أخلاقية قبل أن يكون موهبة. في كل ظهور، تُعيد ضبط الإيقاع: تضع النص في مكانه، وتُذكّر المهنة بحدودها، وتمنح الجمهور أداءً لا يساوم. لذلك، لا تبدو جزءًا من “زمن جميل مضى”، بل مرجعًا حاضرًا يُقاس عليه ما يأتي.