زواج بلا عمامة ولا عقد ديني؟ الزواج المدني تحت المجهر!
تحقيق اجتماعي يرصد مفهوم الزواج المدني، ويقارن بينه وبين الزواج الديني، مع تسليط الضوء على أبعاده القانونية والاجتماعية وحقوق المرأة وحدود التلاقي مع المرجعيات الدينية.
أولاً: ما هو الزواج المدني؟
يُعرَّف الزواج المدني على أنّه عقد زواج يتم توثيقه وتسجيله رسميًا أمام جهة قضائية أو مدنية تخضع لقوانين الدولة ودستورها، بين شخصين مسجَّلين في السجلات المدنية أو مقيمين على أراضيها.
يقوم هذا النوع من الزواج على مبدأ المساواة القانونية بين الطرفين، من دون اعتبار للانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي، ويُشترط فيه رضا الزوجين، وحضور الشهود، وكاتب العقد أو الممثل القانوني المختص.
ويترتب على الزواج المدني حصول الزوجين على كامل الحقوق المدنية التي يكفلها القانون، سواء كانت اجتماعية أو خدمية أو سياسية، ويُعد أي إخلال بهذه الحقوق مخالفة قانونية صريحة في الدول التي تعترف بهذا الشكل من الزواج.
ثانيًا: الزواج المدني والزواج الديني… أوجه الاختلاف
يُعد الزواج الديني الشكل الأكثر شيوعًا في المجتمعات العربية، ويتم وفق أحكام وشرائع دينية منصوص عليها في الكتب السماوية، وبإشراف رجال دين أو مأذونين معتمدين من المحاكم الشرعية أو الكنسية.
ويتضمن هذا الزواج التزامات محددة، مثل المهر، وشروط المعاشرة، وأحكام الطلاق أو الانفصال، ويُنظر إليه باعتباره مؤسسة ذات بعد اجتماعي وروحي عميق.
في الشريعة الإسلامية، يقوم الزواج على مبدأ الديمومة مع إباحة الطلاق عند تعذر الاستمرار، بينما يُعد الزواج في المسيحية رباطًا دائمًا لا يُفسخ بالطلاق وفق العقيدة الكنسية.
في المقابل، يقوم الزواج المدني على اتفاق قانوني مباشر بين شخصين، وقد يكونان من ديانتين مختلفتين، من دون اشتراط مباركة دينية. وغالبًا ما تُشرف البلديات أو المحاكم المدنية على إجراءاته، ويخضع بالكامل للقانون الوضعي، بعيدًا عن المرجعيات الدينية.
ثالثًا: الزواج المدني في السياق الإسلامي
يرى عدد من الفقهاء أن الزواج المدني لا يُعد مخالفًا للشريعة الإسلامية إذا استوفى شروط الزواج الشرعي الأساسية، مثل الإيجاب والقبول، ورضا الطرفين، والشهود، وانتفاء الموانع الشرعية، حتى وإن تم توثيقه أمام محكمة مدنية.
ويؤكد هذا الرأي على ضرورة احتكام الزوجين إلى أحكام الشريعة في تنظيم حياتهما الزوجية أو عند وقوع النزاعات، مع اعتبار التوثيق المدني وسيلة لحفظ الحقوق القانونية وليس بديلاً عن الأحكام الدينية.ويستند هذا التوجه إلى قواعد فقهية عامة، من بينها الحديث النبوي الشريف:«المؤمنون عند شروطهم، إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا».
حقوق المرأة في إطار الزواج المدني
يمنح الزواج المدني المرأة حزمة واضحة من الحقوق القانونية المتساوية مع الرجل، انطلاقًا من مبدأ المساواة أمام القانون، من دون تمييز قائم على الدين أو الخلفية الاجتماعية. وتشمل هذه الحقوق الاعتراف القانوني الكامل بالزواج وما يترتب عليه من حماية للزوجة في مجالات النفقة، والضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، وحق الإقامة، والجنسية في بعض الدول.
كما يضمن الزواج المدني للمرأة حق اللجوء إلى القضاء المدني في حال نشوب نزاعات زوجية، سواء ما يتعلق بالانفصال أو الحضانة أو تقاسم الممتلكات، وفق قوانين واضحة ومكتوبة، بعيدًا عن اختلاف التفسيرات الدينية أو الاجتهادات الشخصية. ويُتيح لها هذا الإطار القانوني حماية أكبر من التعسف أو الإهمال، ويكفل لها حق الطلاق بشروط محددة، مع تنظيم آثار الانفصال ماديًا وقانونيًا بما يحفظ كرامتها وحقوقها.
وفي الختام يبقى الجدل حول الزواج المدني قائمًا بين اعتبارات دينية، واجتماعية، وقانونية، تختلف حدّته من مجتمع إلى آخر. وبينما يراه البعض ضمانة للحقوق الفردية وحرية الاختيار، ينظر إليه آخرون من زاوية تأثيره على البنية الدينية والاجتماعية التقليدية.
وفي ظل هذا التباين، يظل النقاش حول الزواج المدني جزءًا من نقاش أوسع يتصل بعلاقة الدين بالدولة، وبحدود القانون المدني في تنظيم شؤون الأسرة داخل المجتمعات المتعددة.


