في حضرة الفقد… اخفضوا عدساتكم!
مقال يتأمل في أخلاقيات تصوير لحظات الحزن والعزاء، ويناقش كيف تتحوّل عدسة الكاميرا أحياناً من أداة توثيق إلى فعل اقتحام، يخترق الصمت الإنساني ويحوّل الوداع إلى مشهد عام، داعياً إلى احترام خصوصية الفقد وترك بعض اللحظات بلا صورة.
كتبت هناء بلال
تتعالى همسات التعزية، تتشابك الأيدي، تُقال الجمل نفسها مراراً، ومع ذلك يبقى الصمت هو السيد الحقيقي للمشهد.
صمتٌ ثقيل، ليس فراغاً، بل امتلاءٌ موجع لا يحتمل أي صوت زائد.
وفجأة…
يأتي صوت الكاميرا.
ليس صوتاً كبيراً، لكنه جارح.
تكّة صغيرة، حادة، باردة، توقظ القلب من سكينته.
ثم ومضة، سريعة، بيضاء، تلسع العين وتزيح الروح من شرودها القاسي.
في تلك اللحظة، لا يكون الباكي معنا.
يكون في مكان آخر، مع شريط ذكريات يسترجع فيه همسات الراحل.. ذكرياته.. ضحكاته.. آهاته.. هنا كان يجلس..هناك ضحكنا معاً..هنا حلمنا معاً..هناك بكينا معاً...
وحين ينطلق صوت الكاميرا، يُسحَب فجأة الهُناك إلى الهُنا...بلا غطاء إلى العلن، يتكشف إلى نظرات الجميع.
تُكسر عزلته من دون استئذان، كأن أحدهم طرق باب حزنه بعنف ودخل عوالمه قبل أن يُؤذن له.
الأقسى أن هذا الاختراق يحدث وسط الناس.
وسط الزحام...
وسط التعازي...
يكون محاطاً بالجميع، لكنه مكشوف تماماً، بلا حماية، بلا حق في الاختفاء...
الصورة لا تسرق الدمع فقط،
تكسر شريط تلك اللحظة التي كان من حقه أن يعيشها وحده.
تحوّل حزناً صامتاً إلى مشهد..
وتجعل الألم، وهو في أصدق حالاته، يُرى.
أحياناً، لا يحتاج الحزن إلى شاهد.
يحتاج فقط إلى صمتٍ أطول،
وإلى عينٍ تُغمَض احتراماً، لا عدسة توثق هذا الحزن، الحزن لايُرى... الحزن يُعاش..


