إشكال جوهري في خطاب الرئيس جوزاف عون

يناير 12, 2026 - 08:06
 0
إشكال جوهري في خطاب الرئيس جوزاف عون

 كتب د أسامة توفيق مشيمش

 في ما صدر عن فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون من مواقف وخطاب، يبرز إشكال جوهري لا يمكن القفز فوقه أو تبريره بحسن النيّات أو مقتضيات اللحظة السياسية. فرئيس الجمهورية، بحكم الدستور والميثاق، هو رئيس كل اللبنانيين، لا رئيس فئة في مواجهة أخرى، ولا ناطق باسم سردية سياسية تستبطن العداء لبيئة بعينها عانت ما عانت وقدّمت ما قدّمت، ودفع أبناؤها أثمانًا باهظة على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والمالية.


هذه البيئة، التي يجري التلميح إليها أو تحميلها مسؤوليات غير مباشرة، هي في الواقع المتضرّر الأكبر من الانهيار المالي ومن ضياع أموال المودعين، ولن نعيد ترداد الموال المستهلك عن «تقديم الغالي والنفيس»، لأن الوقائع الملموسة تكفي. غير أنّ الخطورة تكمن في أن يقدّم رئيس الجمهورية نفسه، ولو مواربة، طرفًا في صراع سياسي – اجتماعي، بدل أن يكون مرجعية جامعة وضامنًا للتوازنات الدقيقة التي يقوم عليها الكيان اللبناني.


إليك يا فخامة الرئيس، إن الاستعجال في التموضع ليس فضيلة في موقع الرئاسة الأولى. فلستَ فؤاد شهاب لتؤسّس لشهابية جديدة، ولا سمير جعجع سيكون وريث المارونية السياسية التي انتهى زمنها وسقطت مرتكزاتها. إنّ الحديث عن إحياء هذا النظام أو استعادته ليس فقط من سابع المستحيلات، بل أقرب إلى أسطورة العنقاء في قصص الأطفال: تُروى للتسلية، لا لبناء الدول.


وحين تأتي كلمتك في ذكرى وفاة المقدّس الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لتغمز من قناته أو من إرثه الفكري، فإنّ الأمر لا يمكن فصله عن سياق سياسي مقلق. فالشيخ شمس الدين لم يكن طارئًا في الفكر الوطني، بل كان من القلائل الذين نادوا بوضوح بالديموقراطية العددية كحلّ لأزمة النظام، لا من باب الهيمنة، بل من باب العدالة السياسية. وعندما تُطرح الأمور بجدّية، بعيدًا عن المجاملات، يظهر «أبناء أبو علي» على حقيقتهم، وتنكشف الاصطفافات مهما حاولت الأقنعة التخفّي.


أما النصيحة، فهي موجّهة بصدق إلى المستشارين الشيعة في القصر الجمهوري: لا تغرّنكم المواقع ولا الأضواء ولا القرب من السلطة. فالتاريخ لا يخلّد الحاشية، ولا يتوقّف عند المرافقين. الأشخاص المخلصون وحدهم تُخلّد أسماؤهم لأنهم دفعوا أثمان مواقفهم ولم يساوموا على قناعاتهم، أما من يكتفي بدور الزينة السياسية، فلا مكان له في الذاكرة الوطنية.


إنّ لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى رئيس يجمع ولا يفرّق، يداوي الجراح بدل أن ينبشها، ويحمل همّ الدولة لا حسابات الاصطفاف. وأي خروج عن هذا الدور، مهما كانت الذرائع، لن يزيد البلاد إلا انقسامًا فوق انقسام، وانهيارًا فوق انهيار.