من حصر السلاح إلى الرسائل الرئاسية.. «لبنان ينأى عن الحرب.. لكن لن ينجو من شظايا معركة ترامب ضد الخامنئي»
تحليل سياسي معمّق يرصد رسائل لبنان إلى إسرائيل في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، واحتمالات الضربات الإسرائيلية المقبلة، بين استهداف إيران أو حزب الله، ودور الولايات المتحدة في رسم مشهد الحرب في الشرق الأوسط، مع قراءة في مواقف الدولة اللبنانية ومساعي تحييد لبنان عن المواجهة الكبرى.
كتبت جريدة "اللواء":
بعث لبنان، تحت وقع أحداث إقليمية ودولية كبرى، برسائل - إشارات الى اسرائيل، بصفتها دولة معتدية على لبنان، وتتصرف وكأنها خارج أية اتفاقيات أو قوانين تحكم العلاقات بين الدول، سواءٌ على مستوى العلاقات أو العداوات: 1 - الرسالة - الإشارة الأولى، والتي سبقت مجيء وزير الخارجية الايراني عباس عرقجي، وحديث عن الرئيس جوزاف عون، ومفادها أن أرض لبنان لم تعد منطلقاً لأية عمليات ضد أية جهة، لا عبر الحدود الجنوبية، ولا عبر أية نقطة من لبنان، ودلّت وقائع حصر السلاح، العائد لحزب الله جنوبي الليطاني الى انتفاء أية إمكانية لاستخدام هذه الرقعة الجغرافية الواسعة نسبياً، وفيها أربع مدن كبرى، ومراكز أقضية من بنت جبيل الى صور فمرجعيون - حاصبيا، فضلاً عن البلدات ذات الكثافة السكانية والعددية من ميس الجبل الى الخيام والعباسية، وقرى قضاء صور وصولاً الى رأس الناقورة.
والإشارة الثانية جاءت من الرئيس نبيه بري، بكل صفاته وألقابه من رئيس المجلس الى رئيس حركة أمل، ورئيس كتلة نيابية وازنة، ونائب عن الجنوب، وابن الجنوب (تبنين) أولاً وأخيراً.. ومفادها: انسحبوا من أرضنا، وأوقفوا طائراتكم فوق سمائنا، وأطلقوا أسرانا، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال، بمعنى أن لا حرب بعدها معكم..
لبنان- الدولة، والترويكا الرئاسية الوطنية، يدرك أن هيمنة القطب الواحد. على مقدرات العالم، متمثلاً بشخصية دونالد ترامب، ليس مسألة قابلة لحسابات خاطئة وقاصرة، وأن يختطف رئيس دولة من غرفة نومه مع زوجته، وتحويله الى المحاكمة على طريقة الكابوي، فالجلاد يخطف الضحية (نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا) ويحاكمه في نيويودك، في منهاتن إحدى أغنى ضواحي نيويورك على نهر هنديسون، ويعترف بالتالي أن السقف الأميركي ما يزال يحول بين بنيامين نتنياهو والحرب على الجنوب، وكل جغرافيا مسيطرة أو تواجد حزب الله بقيادته وعناصره وأسلحته، ريثما تنضج معطيات أقوى في الداخل اللبناني، تسمح «باحتواء السلاح» أو باستراتيجيا وطنية للأمن الوطني، تجعل سلاح الحزب تحت سيطرة القرار الرسمي أو قرار «الحرب والسلم» بيد الدولة اللبنانية وحدها.. ولبنان الذي أدرك منذ حرب الإسناد وما تلاها أن لا مناص من المظلة الاميركية لصون مؤسساته، والحؤول دون حرق الاخضر واليابس على أرضه، ماضٍ في توظيف ما يمكن توظيفه من موقف أميركي، وساهم في ردع اسرائيل من ضربات مجنونة، تفجّر الموقف من جديد على أرض لبنان، من جنوب النهر الى شماله الى كل لبنان..
بالضبط: لمن الاسبقية بالضربات الاسرائيلية المتوقعة أن تعنف، والمستمرة منذ توقيع اتفاق وقف اطلاق النار في 27 ت2 2024: هل لإيران التي تشهد أسوأ تظاهرات معادية لنظام «الجمهوردية الاسلامية» الذي أقامه الامام الراحل الخميني منذ العام 1979،ويعتبر المرشد الحالي السيد علي الخامنئي الشخصية الثانية التي تحتل الموقع الارشادي للجمهورية منذ نشأتها..
ولحزب الله، الذي يتصرف كقوة مقاومة، نجح في إعادة بناء أجهزته على المستويات كافة، بعد سلسلة النكبات التي أصابته، من اغتيال جيل كامل من قياداته، بمن فيهم أمينه العام السيد حسن نصر الله، الى خسارة المجال الحيوي الاستراتيجي، الذي كان يوفر له ساحة امداد وانتشار وحركة، والمقصود هو نظام الرئيس بشار الاسد الذي أطاحت به لعبة دولية - إقليمية معروفة، برعاية أميركية مباشرة، مع أنه ابتعد أيما ابتعاد عما يسمى «حروب الإسناد» بعد عملية «طوفان الاقصى».
المعلومات تتحدث عن أن أولوية الحرب هي على إيران.. فإسقاط نظام الحرس الثوري، وولاية الفقيه من شأنه أن يُنهي عقوداً من التمدُّد والتدخل في مساحات مجاورة من غرب آسيا، من اليمن الى لبنان، مروراً بسوريا والعراق، وغزة وغيرها من مساحات مشتعلة..
وثمة من يعتقد ممن يتابعون المشهد الملتهب على جغرافيا حزب الله شمال الليطاني، أن الضغط عى حزب الله يهدف لمنعه من أية مشاركة في حرب جديدة بين ايران وتحالف ترامب - نتنياهو، وكامل المطبخ البروتستنتي - اليهودي في دوائر القرار الاميركي.
على أن المعطيات المتاحة، جميعها تصب في اتجاه أن الأولوية الأميركية - الاستراتيجية هي لإضعاف نظام الخامنئي، تمهيداً إلى اسقاطه أو تفتيت أراضي ايران الواسعة، الى مقاطعات تخضع لحكم أقليات وإتنيات بين الشعوب الأوراسية من التتر الى الاكراد والاوزبك وغيرها..
على أن لبنان، الذي يقف على خطوط الزلازل الاقليمية والدولية ولا يزال يسعى بكل ما أوتي من قوة لدرء خطة الحرب الجديدة في الشرق الاوسط، أو بأقل افتراض الحؤول دون اشتراك حزب الله في ويلاتها..
لا يبدو المشهد قاطعاً في أية وجهة سير، لكن الجهد العربي والإقليمي والأوروبي والدولي ينحو باتجاه إبعاد لبنان عن أية معمعة مدمّرة مقبلة، سواءٌ في بحر الشهر الجاري أو خلال شهر رمضان أو بعده.
الولايات المتحدة، ترغب باستكمال وضع اليد على كامل طاقة النفط في الجغرافيا - الممتدة على كامل مساحة أوبيك، من أميركا اللاتينية الى دول الشرق الاوسط من ايران الى بلاد العرب، وإعادة توزيعه على طريقة الكارتيلات، والتحكم بالطاقة ومصادرها ومناقبها، بما يتيح انتعاشاً دائماً لاقتصاد الولايات المتحدة وافقاراً مستداماً لسائر شعوب الارض.
الحرب المقبلة، قد تبدأها الولايات المتحدة،لكنها ليست نزهة، وشظاياها لن توفر بلداً أو قاعدة عسكرية في المناطق الحيوية والملتهبة في غرب آسيا ومنها لبنان!


