حمزة نمرة يغنّي للنجاة لا للوجع " مايغور كل اللي يخليك مكسور "

يتناول المقال فلسفة الهدوء والقطيعة الواعية في أغاني حمزة نمرة، وكيف يتحوّل الانكسار إلى وعي، والغناء إلى مساحة للشفاء واختيار السلام الداخلي بعيدًا عن الوجع والاستنزاف.

يناير 8, 2026 - 12:26
يناير 8, 2026 - 14:00
 0
حمزة نمرة يغنّي للنجاة لا للوجع " مايغور كل اللي يخليك مكسور "

كتبت هناء بلال 

حمزة نمرة لا يقدّم نفسه كمنقذ، ولا يبيع الوهم تحت مسمّى الأمل، بل يكتب ويغنّي من موقع الإنسان العادي الذي جرّب، تعب، وهدأ… ثم فهم. لذلك تصل كلماته بلا استئذان، لأنها لا تدّعي الحكمة، بل تعترف بالهشاشة.

في الأغاني التي تشبه مرآة داخلية مثل «اهدّى» لا يُطرح الهروب كحل، بل يُطرح الهدوء كأداة فهم.

حين يهدأ الإنسان، تتكشّف الحقائق بلا مكياج عاطفي: لم تكن الخسارة بهذا الحجم، ولم يكن الوجع قدرًا أبديًا، بل كان تأجيلًا للقرار. قرار أن تقول: هذا يؤذيني، وهذا يكفيني.

الوعي بالانكسار يعني أن تتوقّف عن سؤال: «لماذا حدث لي هذا؟»
وتبدأ بسؤال أكثر شجاعة: «لماذا أبقيتُ عليه؟».
هنا ينتقل الإنسان من موقع الضحية إلى موقع المسؤول عن حياته، لا بمعنى اللوم، بل بمعنى الاستعادة.

 استعادة الصوت، والحدود، والحق في الانسحاب دون شعور بالذنب.

أن تترك ما يؤذيك لا يعني أنك تخلّيت عن الحب، بل أنك رفضت نسخه المزيّفة.
ولا يعني أنك فشلت، بل أنك توقّفت عن دفع ثمن نفسي باهظ مقابل  وهم من الطمأنينة.

بعض العلاقات، وبعض الذكريات، وبعض الأفكار، لا تموت بالصدام، بل تموت حين نكفّ عن تغذيتها.

«ما يغور
كل اللي يطفي في قلبك نور
كل اللي يبني قصادك سور
كل اللي حبه كدب وزور»

هذه ليست دعوة للقسوة، بل للوضوح. لأن أخطر العلاقات ليست تلك التي تؤلمك مرة، بل تلك التي تُطفئك ببطء.

هي ليست نصًا موسيقيًا بقدر ما هي اعتراف متأخر، يكتبه الإنسان لنفسه بعد أن يهدأ، بعد أن ينفض الغبار عن قلبه، ويكتشف  بوجعٍ صادق  أنه كان يركض في الاتجاه الخطأ.

«لما تهدى تلقى وقتك
يثبت إنك كنت جاهل»

الهدوء هنا ليس لحظة راحة، بل لحظة محاكمة.
حين يسكت الضجيج، يبدأ العقل في مراجعة الخسارات التي اعتقدنا أنها نهايات، لنكتشف أنها كانت أوهامًا ضخّمها الألم. الجهل المقصود ليس نقصًا في الذكاء، بل غياب الرؤية تحت وطأة الحزن. كأن الألم يُعمي، لا ليؤذي فقط، بل ليؤخّر الفهم.

كم مرة بالغنا في توصيف خساراتنا؟
كم مرة أعلنّا الهزيمة لأننا كنا متعبين، لا لأننا خاسرون فعلًا؟
المشي بعيدًا غالبًا لا يكون قرار قوة، بل ردّة فعل. والفرق شاسع بين من ينسحب لأنه اختار نفسه، ومن يهرب لأنه لم يعد يحتمل.

ليست كل الجُمل العابرة تُقال كي تُسمَع، بعضُها يُقال كي يُنقِذ.
وفي عبارةٍ بسيطة، عاميّة، تكاد تُشبه زفرة مكتومة: «ما يغور كل اللي يخليك مكسور»، يضع حمزة نمرة إصبعه على جرحٍ إنسانيٍّ قديم، جرح الانكسار الصامت الذي لا يراه أحد.

«ما يغور» ليست قسوة لغوية، بل قطيعة نفسية.
إنها فعل تحرير، شبيه بإغلاق بابٍ ظلّ مفتوحًا طويلًا رغم البرد.

أغنية «اهدّى» لا تدعو للنسيان القسري، ولا للتفاؤل الزائف. هي لا تقول «انسى»، بل تقول «خفّف الحمل».
تسمح للزمن أن يمرّ دون أن نُمسكه من عنقه، وتسمح للحزن أن يغادر دون مطاردة.

الهدوء هنا ليس استسلامًا، بل وعي.
وعي بأن القلب ليس ساحة حرب دائمة، وبأن السلام الداخلي ليس رفاهية، بل ضرورة.

في النهاية،
 يختار الإنسان نفسه… أخيرًا.