إسرائيل ترسم حدودها الأمنية بالنار.. هل يتجاوز الاجتياح الجنوب؟
كتب زياد سامي عيتاني في "اللواء":
حين أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف كاتس أن الجيش «يتقدم نحو مواقع استراتيجية جديدة في لبنان»، وحين أكد رئيس الأركان زامير أن «وحدات إضافية على مستوى الفرقة ستنضم للعملية في الأيام المقبلة»، وحين صدرت إنذارات إخلاء طالت دفعةً واحدة نحو تسعين قرية لبنانية، بات التساؤل الحقيقي ليس: هل تجتاح إسرائيل لبنان؟ بل: إلى أين تنوي الوصول؟
البيانات الرسمية تقول «عملية محدودة». لكن المعطيات الميدانية، ولغة القادة، والوثائق المسرَّبة، وحجم الحشد العسكري تقول عكس ذلك تماماً. هذا التحقيق يقرأ ما خلف البيانات.
• الخطة الجاهزة قبل الذريعة
في تشرين الأول 2024، وبينما كانت الأطراف توقّع اتفاق وقف إطلاق النار، كان الجيش الإسرائيلي يُعدّ في الوقت ذاته وثائق عملياتية مفصّلة لتوسيع الغزو البري في لبنان. هذه الوثائق، التي رصدتها مصادر عبرية وأُشير إليها في تقارير مجلس الأمن الدولي، لم تكن سيناريوهات دفاعية تحسباً لأسوأ الاحتمالات، بل كانت خططاً هجومية تحدد محاور التقدم وأهداف السيطرة.
وبين كانون الثاني وشباط 2026، جرى ما يصفه المحللون العسكريون بـ«الاستطلاع بالنيران»، إذ وثّقت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) استهداف أكثر من سبع وثلاثين بلدة لبنانية في أسبوع واحد، من مارون الراس شمالاً إلى بعلبك شرقاً. هذا النوع من الضربات الممنهجة يخدم غرضاً واحداً: تحديث بنك الأهداف وقياس ردود الفعل قبل عملية أوسع. إنه تمهيد ميداني لما هو آتٍ، لا عقاب على ما جرى.
ثم جاءت صواريخ حزب الله في الأول من الشهر الجاري لتوفر ما كانت إسرائيل تنتظره، أو ربما لا تحتاجه أصلاً. وللفهم الكامل لهذا التوقيت، لا يمكن إغفال السياق الإقليمي. فقد فتح حزب الله «جبهة إسناد» ردّاً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني خامنئي في 28 شباط، تجسيداً لعقيدة «وحدة الساحات» التي تربط تلقائياً بين أي تهديد لإيران وتصعيد الجبهة اللبنانية. قرار إطلاق الصواريخ لم يكن رداً على ما تفعله إسرائيل في لبنان، بل كان ورقة في لعبة إقليمية أكبر من لبنان بكثير.
• حجم الحشد لا يتناسب مع «عملية محدودة»
وصف الناطق العسكري الإسرائيلي شوشاني ما يجري بـ«الإجراء التكتيكي المحدود». لكن الأرقام على الأرض تقول عكس ذلك تماماً.
ثلاث فرق عسكرية متكاملة تعمل اليوم على الأرض اللبنانية: الفرقة 91 والفرقة 210 والفرقة 146. وهذا الحشد، وفق ما رصده المحللون في مجلس الأطلسي، هو الأضخم منذ الاجتياح الإسرائيلي الكامل عام 1982، الاجتياح الذي وصل آنذاك إلى بيروت وأفضى إلى احتلال دام ثمانية عشر عاماً. لا تحتاج «عملية تكتيكية محدودة» إلى ثلاث فرق، تحتاج إليها عملية تُخطّط للتوسّع.
ويُضاف إلى ذلك أن مئة ألف جندي احتياطي استُدعوا قبيل العملية. الاستدعاء بهذا الحجم لا يتم في ساعات، إذ يستغرق أسابيع من التنسيق اللوجستي، مما يعني حتماً أن القرار اتُّخذ قبل صواريخ حزب الله بزمن طويل.
• لغة القادة لا تنتمي إلى قاموس العمليات المؤقتة
حين يقول رئيس الأركان زامير «لن نتوقف حتى يُنزع سلاح حزب الله»، فهو لا يصف عملية ذات حدود زمنية وجغرافية محددة. نزع سلاح حزب الله يتطلب السيطرة على أراضي لبنانية، لا سيما الجنوب والبقاع. لذا، ليس من الصواب تسمية ما تفعله إسرائيل مجرد اجتياح، لأن ذلك يُوحي بأنها ستغادر؛ الإسرائيليون يخططون لاحتلال دائم للقرى التي يدخلونها.
والأكثر دلالةً أن التحذير جاء هذه المرة من حليف لإسرائيل، حيث وصف الرئيس الفرنسي إيمانييل ماكرون العملية البرية صراحةً بأنها «تصعيد خطير وخطأ استراتيجي»، مطالباً إسرائيل بـ«احترام الأراضي اللبنانية ووحدتها». وتزامن تحذيره مع إرسال حاملة الطائرات «شارل ديغول» إلى شرق المتوسط. حين يحذّر الحلفاء قبل الخصوم، فذلك مؤشر على أن ما تفعله تجاوز حدود ما يمكن الدفاع عنه دبلوماسياً.
• الهندسة الجغرافية: محوران وخمسة عشر كيلومتراً
الصورة الميدانية تتضح تدريجياً. ما يجري ليس توغلاً عشوائياً، بل عملية ذات هندسة جغرافية مدروسة تسعى لفرض منطقة عازلة بعمق خمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وهو عمق لا يُحقَّق بتوغل مؤقت، بل بسيطرة دائمة.
يقوم المخطط على محورين متزامنين:
1. المحور الأول: ينطلق من جبل الشيخ باتجاه الجنوب والبقاع الغربي، في خطوة تُطوّق المنطقة من الشمال الشرقي وتقطع خطوط الإمداد.
2. المحور الثاني: يتفرع من النقاط المحتلة منذ شباط 2025 نحو القرى، متشعّباً غرباً نحو صيدا وشرقاً نحو قلب البقاع.
منطقة عازلة بهذا العمق على هذين المحورين لا تُنشأ لأسابيع. تُنشأ لسنوات.
• حين تقول الأدلة ما لا تقوله البيانات
لا تُعلَن الاجتياحات الكاملة مسبقاً. تبدأ بـ«عمليات تكتيكية محدودة»، وتتوسع بـ«ضرورات ميدانية طارئة»، وتنتهي باحتلال يصعب الخروج منه. مجموعة الأزمات الدولية تحذّر من سيناريو يشبه منطق غزة: تدمير ممنهج لا يتوقف عند حد جغرافي محدد. ومعهد INSS الإسرائيلي نفسه يرى أن التاريخ الأمني لإسرائيل «مليء بنجاحات عملياتية أفرزت وضعاً أسوأ مما سبقها».
على الأرض؛ ثلاث فرق عسكرية تعمل على ثلاثة محاور، وثمانون قرية تحت الإنذار، ونازحون يبلغ عددهم ثمانية وخمسين ألفاً في ثمانٍ وأربعين ساعة لا يعرفون إن كانوا يغادرون مؤقتاً أم إلى غير رجعة.
هذه ليست قراءة تحليلية، ولا استنتاجاً صحفياً. هذه أرقام ووثائق وخرائط وتصريحات موثّقة. حين يقول وزير الدفاع «تقدّموا وسيطروا»، وحين يقول رئيس الأركان «لن نتوقف»، يسقط آخر غطاء لرواية «العملية المحدودة».
التاريخ يعيد نفسه بمرارة؛ فما بدأ عام 1982 كعملية «سلامة الجليل» المحدودة، انتهى باحتلال دام ثمانية عشر عاماً. واليوم، وبينما يغرق لبنان في حسابات وحدة الساحات، يجد نفسه مكشوفاً أمام اجتياحٍ لم ينتظر الذريعة، بل صنعها وانتظر اللحظة المناسبة ليتسلم الجنوب على طبقٍ من ألماس.. طبقٌ صُنعت حوافه في تل أبيب، وقُدّم بقرارٍ لم يضع مصلحة لبنان أولاً.


