مَن الافضل، العندليب عبد الحليم حافظ، أم القيصر كاظم الساهر؟
من الأفضل: عبد الحليم حافظ أم كاظم الساهر؟ سؤال يبدو فنيًا في ظاهره، لكنه يخفي صراع أذواق وتعصبًا أكثر مما يعكس حكمًا نقديًا موضوعيًا بين مدرستين غنائيتين مختلفتين.
كتب الدكتور حسين جبار ابراهيم
مَن الافضل، العندليب عبد الحليم حافظ، ام القيصر كاظم الساهر؟ سؤال لا يدل على توفر ثقافة فنية، ظاهره بريء وباطنه صراع أذواق. السائل يبدو كأنه يسعى إلى تقييم فني، لكن سؤاله في الحقيقة غير موضوعي وغير منطقي سواء بالمعيار العلمي أو الذوقي. وهذا نفس الموضوع الذي كان قد تحمس له أنصار عبد الحليم حافظ من جهة وأنصار فريد الأطرش من جهة اخرى ايام الزمن الجميل. وفي كل مرة تنشب مثل هذه المقارنة أو المفاضلة يتبيّن أن التعصب هو الذي يقودها وليس الفهم الفني.
والحقيقة البسيطة التي يتجاهلها الشباب المتحمس هي أن الفن لا يُقاس بنظام الدرجات، ولا يوجد فيه لاعب بديل يُقصي لاعبا آخر. ولا يمكن ان يُلغى أثر فنان كبير بسبب ظهور فنان كبير آخر في زمن آخر، بل سيكمل مسيرته الجميلة ويوسّعها.
المقارنة بين عبد الحليم حافظ وكاظم الساهر تشبه المقارنة بين نهرين كبيرين يجريان في زمنين مختلفين. فعبد الحليم حافظ ابن عصر الخمسينيات والستينيات، حيث كانت الأغنية العربية الكلاسيكية تعيش ذروتها، وحيث الموسيقى المشبعة بالمقامات الشرقية والبساطة العاطفية. أما كاظم الساهر فهو ابن عصر آخر شهد ولادة لحن عربي جديد يمزج بين الأوركسترا الغربية والقصيدة العربية الحديثة ويمنح الموسيقى بعدا دراميا ولغويا غير مسبوق. وحين تتغير الأدوات والظروف وجمهور المستمعين وعلاقة الناس بالموسيقى، تصبح المقارنة الحرفية بين هذين الفنانين غير ممكنة؛ فالفن ليس سباقا على المركز الأول، بل هو تأثير و بصمة وحضور طويل الأمد في عاطفة الناس.
كان عبد الحليم حافظ يمثل صوت الحب الحزين والثورة المتفائلة، وبقي صوته جزءا من الذاكرة الجماعية العربية. وتحولت كل أغنية له إلى مساحة مشتركة بين الناس. اما كاظم الساهر فجاء ليحول القصيدة إلى تجربة سماعية معاصرة. وأصبح سفيرا للغة العربية عبر ألحانه، قدم تجربة إنسانية كاملة جمعت بين الشعر والدراما والرومانسية، ونقل القصيدة من الكتب إلى المسارح العالمية. لذا فان مهمة عبد الحليم ليست مهمة كاظم، ومهمة كاظم ليست مهمة عبد الحليم، ولكن كلاهما نجح في مهمته بأعلى درجات التميز.
السؤال الحقيقي الذي يجب ان يطرح اذن ليس: “من الأفضل؟” بل: "من الأهم في زمانه؟ من الأكثر تأثيرا في وجدان معجبيه؟ من الأعمق أصالة؟ من الأكثر إبداعا في تجديد الموسيقى؟"
هذه الأسئلة تفتح الباب لفهم الفن بطريقة ناضجة وموضوعية. عبد الحليم حافظ فنان مهم لأنه شكّل الذوق العربي وأسس لمرحلة كاملة من الأغنية العاطفية والوطنية. وكاظم الساهر فنان مهم لأنه نقل الأغنية العربية إلى أفق شعري جديد وصنع قالبا موسيقيا خاصا به يحفظ له مقعدا متفردا لا ينافسه فيه أحد. وهنا يصبح الجواب واضحا: (كل منهما أهم من الثاني بطريقته، وأعمق في مجاله، وأكثر تأثيرا على جمهوره).
حين نلغي فنانا لنعلي آخر، فاننا نقع في فخ الجهل الفني، فلا أحد يستطيع إلغاء عبد الحليم حافظ، ولا احد يستطيع إلغاء كاظم الساهر.
اننا مهما كنا نفضل كاظم الساهر، وهو بالنسبة لكثيرين الفنان الأكثر تأثيرا وجمالا وكفاءة، فهذا لا يبرر أن ننتقص من قيمة عبد الحليم حافظ وهو عند الكثيرين المطرب الذي لا يمكن ان يقارن به مطرب آخر.
من حقك ان تحب، لكن ليس من حقك ان تنتقص، لان الانتقاص لا يليق بالفن. والحقيقة أن لا كاظم الساهر ولا عبد الحليم حافظ يحتاجان إلى هذه المقارنات، يكفيهما إرثهما وتأثيرهما وخلود اغانيهما ومدرستيهما. واظن ان افضل اجابة على ذلك السؤال، على الرغم من عدم قناعتي به،هي: (ان المطرب الأفضل هو من يحرّك قلبي أكثر، ومن يترك فيه أثراً لا يزول.. وكاظم وعبد الحليم، كلٌ بلونه وحلاوته وجماله، فعلا ذلك.. ان لكل زمان قيصره وعندليبه).


