حين صار المسرح مرآة الحرب في عيون زياد الرحباني

بين ضحكٍ مرّ ووجعٍ عميق، يقدّم زياد الرحباني مسرحًا يعكس الحرب الأهلية اللبنانية كحالة إنسانية، كاشفًا تناقضات الهوية اللبنانية وسقوط الأوهام.

أبريل 13, 2026 - 20:50
 0
حين صار المسرح مرآة الحرب في عيون زياد الرحباني

كتبت هناء بلال 

في مسرح زياد الرحباني، لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية مجرد فصلٍ من التاريخ، بل كانت نبضًا خفيًا يسري في كل كلمةٍ وحوار. لم يكتب الحرب كحدثٍ خارجي، بل كحالةٍ داخلية تعيش في الناس، في خوفهم، في تناقضاتهم، وفي ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الانفجار. كانت الحرب عنده سؤالًا مفتوحًا، لا ينتهي، ولا يملك أحدٌ إجابةً له.

ترك زياد خلفه الصورة الحالمة التي رسمها الأخوين رحباني، ونزل إلى المدينة حيث الحقيقة أكثر قسوة. هناك، لم تعد الجبال تغنّي، بل صارت الجدران تسمع. اختار أماكن عادية: فندق، مطعم، مستشفى… لكنها كانت تختصر وطنًا كاملًا. في هذه الأمكنة، كشف هشاشة الإنسان اللبناني، ذلك الذي يحاول أن يبدو قويًا بينما هو يتآكل من الداخل.

شخصياته لم تكن بطولية، بل كانت تشبه الناس كما هم: متعبين، ضائعين، وأحيانًا مضحكين في مأساتهم. رجلٌ يساوم على كرامته ليعيش، امرأة تُرهقها الحياة حتى تفقد نفسها، وآخرون يكررون الكلام نفسه كأنهم آلات. كأن الحرب لم تقتلهم فقط، بل أعادت تشكيلهم بطريقةٍ جعلتهم غرباء عن أنفسهم.

حتى الأحلام الكبيرة، لم تسلم من نظرته القاسية. في مسرحه، تبدو الثورة هشّة، تُهزم أمام تفاصيل صغيرة، وتتراجع عند أول اختبار حقيقي. كأنه كان يهمس: المشكلة ليست في الحلم، بل فينا نحن، في عجزنا عن الاستمرار، وفي خوفنا من دفع ثمن ما نريده.

ومع مرور الزمن، تحوّل الغضب في مسرحه إلى حزنٍ عميق. حزنٌ على بلدٍ لا يتعلم، وعلى شعبٍ يهرب من مواجهة نفسه. أدرك أن الحرب ليست صدفة، بل نتيجة تراكم طويل من الخوف والانقسام، ومن هويةٍ لم تنجح يومًا في أن تكون واحدة.

لم يمنحنا زياد في مسرحه حلولًا، ولم يقدّم نهايةً مريحة. تركنا أمام حقيقتنا، بلا تزيين ولا أوهام. لذلك يبقى مسرحه حيًا، لأنه لا يكتفي بأن يُضحكنا، بل يجرؤ على أن يوجعنا… ويجعلنا نرى ما نحاول دائمًا أن نتجاهله.