"مدينة الحب لا يسكنها العقلاء "...طريق إلى القلب ، وتعرف كيف تبقى هناك، طويلًا!
كتبت هناء بلال
ثمّة كتب لا تقرأ بقدر ما تجعلنا ننفتح على أسئلة من الداخل، تُزيح الغبار عن أماكن ظننا أننا أغلقناها بإحكام، وتعيد ترتيب نبضنا على إيقاعٍ قديم. في هذا السياق، تأتي رواية مدينة الحب لا يسكنها العقلاء للكاتب أحمد آل حمدان كمرآةٍ حساسة، لا تعكس الحكاية بقدر ما تعكس القارئ نفسه، وتدعوه لأن يرى ما تهرّب منه طويلًا.
منذ اللحظة الأولى، تنسحب اللغة من كونها وسيلة سرد، لتصبح اعترافًا خالصًا. يقول البطل: «ما دام صوتي لا يصل إليك فسأظل أكتب وأكتب»، فنشعر أن الكتابة هنا ليست ترفًا، بل محاولة مستميتة للإبقاء على خيطٍ رفيع يصل بين قلبين فرّقتهما المسافة أو الظروف. كل جملة تبدو وكأنها رسالة مؤجلة، وكل سطر يحمل رجفة انتظار لا تنطفئ.
تتقدّم الرواية بهدوء، لكنها تترك أثرًا عميقًا، لأنها لا تخشى الاقتراب من مناطق الهشاشة. هناك حيث نقول لأنفسنا: «أنا بخير… كذبة اعتدت قولها»، فنكتشف أن أكثر ما نُخفيه هو ما يعرّفنا حقًا. لا تُدين الرواية هذا الضعف، بل تحتفي به كجزء أصيل من إنسانيتنا، وتمنحه صوتًا واضحًا بعد أن ظل طويلًا مكتومًا.
وفي قلب هذا البوح، تطرح الرواية فكرتها الأكثر إرباكًا: «هناك شخص واحد فقط نقع في حبه، وكل ما بعده للنسيان». فكرة تبدو حاسمة، لكنها في عمقها هشّة، لأن النص نفسه يفضح استحالة النسيان. فكيف ننسى من كتبنا له كل هذا؟ وكيف يمضي القلب إلى الأمام وهو ما زال يعود إلى النقطة ذاتها، كلما سنحت له الفرصة؟
اللافت في العمل ليس فقط صدقه العاطفي، بل قدرته على ملامسة تفاصيل صغيرة تشبهنا جميعًا: ندمٌ يتسلّل مع مرور الوقت، حين ندرك «أننا تأخرنا في قول كلمة حب لمن رحلوا»، وحنينٌ يعيد ترتيب الذاكرة رغمًا عنا، ورغبةٌ خفيّة في إعادة الزمن إلى الوراء، لا لتغيير القدر، بل لنحبّ بالطريقة ذاتها… دون تردّد هذه المرّة.
الرواية، رغم بساطتها الظاهرة، تملك قدرة على التسلّل بهدوء. تُقرأ في جلسة واحدة، لكنّها لا تُغادر بسهولة. تظلّ عالقة بين سطور الذاكرة، كأنها لم تكن نصًا مكتوبًا، بل تجربة شخصية عشناها ولم ننتبه. وربما في هذا تحديدًا سرّها: أنها لا تخبرنا قصة حب، بل تضعنا داخلها، وتتركنا نكملها بطريقتنا.
إنها كتابة تعرف طريقها إلى القلب دون استئذان، وتعرف كيف تبقى هناك، طويلًا… حيث لا تصل الكلمات، لكن يبقى أثرها.


