هل نشعر بالذنب عندما نستمع إلى الموسيقى في زمن الحرب؟
هل يصبح الاستماع إلى الموسيقى في زمن الحرب فعلًا يثير الذنب؟ قراءة في سلوك المستخدمين وبيانات “أنغامي” تكشف تحوّل الموسيقى من ترفيه إلى وسيلة للصمود النفسي ومواجهة القلق.
كتبت هناء بلال
في زمن الحرب، لا تعود الموسيقى مجرّد تفصيل يومي عابر، بل تتحوّل إلى مساحة داخلية يلجأ إليها الإنسان ليحتمي من ثقل الواقع. فوسط القلق المتواصل، وضجيج الأخبار، والانقطاع المتكرر للإيقاع الطبيعي للحياة، تصبح الأغنية أحيانًا بمثابة “استراحة نفسية” قصيرة، تعيد للإنسان شيئًا من توازنه، ولو بشكل مؤقت.
تُظهر المعطيات المرتبطة بمنصة أنغامي، وهي واحدة من أكبر تطبيقات الموسيقى في العالم العربي، أن سلوك الاستماع في لبنان لم يختفِ خلال الأزمات، بل تغيّر شكله ووظيفته. فحتى مع التحديات الاقتصادية والبنيوية، حافظ المستخدمون على حضورهم الرقمي واستمروا في استخدام المنصة بشكل يومي، ما يعكس ارتباطًا عميقًا بالموسيقى كجزء من الحياة، لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة .
وبحسب المعطيات، ورغم تسجيل تراجع موضعي في الاستخدام وصل إلى نحو 20% في بعض المناطق المتأثرة مباشرة بالظروف الأمنية والنزوح، فإن الصورة العامة تُظهر "صمودًا" في سلوك الاستماع. هذا يعني أن الموسيقى لم تغب، بل بقيت عنصرًا ثابتًا يلجأ إليه الناس للحفاظ على شعور بالألفة والاستمرارية، حتى في أكثر اللحظات اضطرابًا.
وسط كل ذلك، يبرز سؤال داخلي ثقيل: هل من الطبيعي أن نستمع إلى الموسيقى في زمن الحرب؟ وهل يحمل هذا الفعل شيئًا من اللامبالاة؟
هذا الشعور بالذنب شائع، وهو في جوهره تعبير عن حس إنساني عالٍ. فالكثيرون يشعرون أن أي لحظة هدوء أو متعة، مهما كانت بسيطة، قد تبدو غير لائقة في ظل الألم الجماعي. كأن الفرح، ولو كان صامتًا، يصبح تهمة غير معلنة.
لكن في الحقيقة، الموسيقى في هذه الظروف لا تعني الهروب من الواقع بقدر ما تعني القدرة على احتماله. هي ليست تجاهلًا لما يحدث، بل وسيلة للبقاء قادرين على مواجهته. فالإنسان، من دون هذه المساحات الصغيرة من التهدئة، يصبح أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للانهيار.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الاستماع للموسيقى كنوع من اللامبالاة، بل ربما كفعل صمود هادئ. فالمحافظة على القدرة على الشعور، وعلى إيجاد لحظة سلام وسط الفوضى، هي بحد ذاتها شكل من أشكال المقاومة الإنسانية.
في النهاية، ليس السؤال إن كان من حقنا أن نستمع إلى الموسيقى في زمن الحرب، بل إن كان بإمكاننا الاستمرار من دونها. لأن هذه اللحظات الصغيرة من السلام ليست رفاهية، بل حاجة إنسانية تساعدنا على البقاء، وعلى مواجهة الواقع بدل الانكسار أمامه.


