هل نكون نحن… الخبر التالي؟
ليلة استثنائية في بيروت تحت القصف… صحافيون يكتبون بين الغارات، يوثّقون الحقيقة وسط الخوف، ويتساءلون: هل نكون نحن الخبر التالي؟
كتبت هناء بلال
ليلٌ آخر، لا يشبه ما قبله… ولا نُشبهه نحن
احتجزنا هذا اليوم المجنون نعدّ الوقت بين غارةٍ وغارة، ونكتب بين دويٍّ ودويّ. خبرٌ عاجل يقتحم الشاشة، تكذيبٌ يلاحقه، وحقيقةٌ تتوه بين الركام، ونحن نحاول أن نلملمها بالكلمات، كمن يجمع شظايا الروح.
منذ بدء الحرب على لبنان، اعتدنا السهر، اعتدنا أن نُسند الليل بأعينٍ مفتوحة، وأن نُصادق القلق كأنه زميل منا. لكن هذه الليلة… كانت مختلفة.
بيروت لم تُقصف فقط، بل نُهشت.
عدوٌّ ماكر، بشع، لا يفرّق بين طفلٍ يحلم… وشيخٍ أنهكه العمر، ولا بين أمٍّ تنتظر… وصحافيٍّ يحمل كاميرته كدرعٍ أخير للحقيقة.
يرتوي من دماء الأبرياء، كأن القتل لديه طقسٌ يومي، وكأن المدينة خُلقت لتُذبح.
وفيما كنّا نعدّ الأخبار…
عداد شهداء زملائنا الصحافيين يزداد، اسمٌ بعد اسم، كأن الحقيقة نفسها تُستهدف.
في المكاتب، كنا نتقاسم الحزن كما نتقاسم القهوة الباردة، نُخفي خوفنا خلف الشاشات، ونُربّت على بعضنا بصمت. كلّ واحدٍ منا كان يُفكّر،من دون أن يقول:
هل ننجو هذه الليلة؟
هل نعود إلى بيوتنا؟
أم سنكون نحن… الخبر التالي؟
ومع ذلك، لم نتوقف.
كتبنا، نقلنا، وثّقنا، لأن الحقيقة حتى وهي تنزف تستحق أن تُقال، ولأن الصمت خيانة، ولأن أصوات الذين رحلوا تُمسك بأقلامنا من حيث لا نراهم.
في الخارج، كانت بيروت تصرخ تحت الركام.
وفي الداخل، كنّا نحاول أن نكون صوتها… لا لأننا أقوياء، بل لأننا لا نملك خياراً آخر.
ليلٌ طويل، تقاسمناه في مكاتبنا، على أملٍ هشّ بأن يطلع الصباح…
لكن في مكانٍ ما من هذا الليل، كان سؤالٌ يهمس فينا جميعاً:
هل يكون هذا… الليل الأخير؟


