بين السنباطي وعبد الوهاب !
مقارنة تحليلية بين رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب تكشف الفروق بين مدرستي الأصالة والتجديد في الموسيقى العربية، بين عمق الطرب وتحديث الأغنية وتأثيرهما في الذوق العام.
كتب الدكتور حسين جبار ابراهيم
المقارنة بين الملحنين العملاقين محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي هي مقارنة بين مدرستين موسيقيتين شكلتا الوعي السمعي العربي.. لكل منهما "نكهته" وأسلوبه؛ وإذا كان هناك تفوق لاحدهما على الآخر، فهو تفوق نسبي في مجال معين. رياض السنباطي ملحن الاعماق وابن المقام الشرقي الصافي الذي تنبع موسيقاه من التأمل والانغماس في بنية المقام.. انه لا "يصنع" لحنا، بل يستخرج حالة وجدانية من داخل النص، لذلك تجد ألحانه أقرب إلى الانشاد العاطفي المتصاعد.. انه يلحن الروح، ويعتمد بناؤه اللحني على الجملة الطويلة المتصاعدة، ويكرر الفكرة مع تطوير داخلي (Variation)، ويترك فسحة للمطرب للتطريب. الحانه تشبه موجة تبدأ صغيرة هادئة ثم تتضخم لتلطم الساحل أو تتلاشى عنده.
السنباطي يكتب اللحن داخل صوت المطرب، يستثمر مناطق القوة العاطفية فيه، ويمنحه سلطة على اللحن. وتبرز قدرته الفنية في المقدمة الموسيقية العبقرية في المقامات الشرقية، تليها القدرة المذهلة على التعبير عن الحزن والوجد.. يمتلك بناء تصاعدي درامي طويل النفس، كما يمتلك إخلاص شديد للهوية العربية. ان نقاط القوة لدى السنباطي هي عمق روحي وأصالة، مع قدرة على خلق نشوة طربية طويلة وإخلاص للنص الشعري.
اما محمد عبد الوهاب فيهتم بالتضاريس الناعمة والفاتنة، انه ملحن الشكل.. ينظر إلى الموسيقى بوصفها فنا قابلا للتطويع والتطوير.. نظام يمكن تحديثه، وتجربة قابلة للدمج والتجريب؛ فأدخل الآلات الغربية وطوّر الايقاع واختصر زمن الأغنية ونقل الموسيقى من الطرب إلى “الصناعة”.. عبد الوهاب يلحن “العقل والذوق العام”، ويعتمد على التكثيف والاقتصاد، والجملة عنده أقصر لكنها أكثر تنوعا، انه يهتم بالبناء العام للأغنية أكثر من لحظة الطرب. الحانه تشبه لوحة مركبة، كل جزء فيها محسوب بدقة.. يفرض رؤيته على الصوت، ويطوّع المطرب لخدمة الفكرة، ويقلل مساحة الارتجال. اما قدراته فهي عبقريته في التجديد والتحديث، وامتلاكه ذكاء لحني وإيقاعي وقدرة على صناعة “النجاح الجماهيري، وامتلك حس عالمي في التوزيع والتأليف، كما امتلك الجرأة في التطوير وتنوع الأساليب وتحديث الذوق العربي وتقديم قالب الأغنية الحديثة.
هل لكل منهما سلبياته؟ نعم: فعند السنباطي الرتابة أحيانا بسبب طول الجمل، وقلة التجديد، واعتماد كبير على نفس القالب المقامي. ومحدودية في التنوع الإيقاعي. وصحيح ان عظمة السنباطي في العمق، لكنه أحيانا يأتي على حساب التنوع.
اما سلبيات عبد الوهاب، فهي المبالغة في التأثر بالغرب. وبعض الألحان تبدو “مصنوعة” أكثر من كونها “مُلهمة”. اضافة الى تقليل مساحة الطرب التقليدي، وتكرار بعض الجمل مع اختلاف التوزيع. وصحيح ان عظمة عبد الوهاب هي في الذكاء، لكنها أحيانا تأتي على حساب الروح الشرقية الخالصة.
واستنادا الى ذلك، واذا كان لابد من المفاضلة فان السنباطي يتفوق في القصيدة الكلاسيكية، وفي التعبير الوجداني العميق والبناء الطربي الطويل. اما عبد الوهاب فيتفوق في التجديد الموسيقي، والأغنية الحديثة، والانتشار والتأثير العام. السنباطي ضمير الموسيقى العربية، وعبد الوهاب عقلها المتطور. حافظ السنباطي على الجذور، وفتح عبد الوهاب الآفاق.. لذا لا يمكن أن نلغي أحدهما لصالح الآخر، لأن الأصالة بلا تطوير جمود، والتطوير بلا أصالة ضياع.
ان كل من السنباطي وعبد الوهاب يحمل الموهبة وصفات التميز، ولكل منهما لونه. السنباطي يجعلنا نحزن، وعبد الوهاب يجعلنا نفكر ونتذوق.


