أحمد قعبور… حين يجلس الكبار بتواضع، ويتركون في القلب وطناً!
رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور بعد صراع مع المرض، واستعادة إنسانية مؤثرة لأول لقاء صحفي معه في مكتبه بتلفزيون المستقبل، حيث جمع التواضع الفن والوطن في شخصية لا تُنسى.
كتبت هناء بلال
في بدايات عملي الصحفي، حين كنت أخطو أولى خطواتي المرتبكة بين الأسئلة والدهشة، كان لقائي مع أحمد قعبور أشبه بدرسٍ طويلٍ في المعنى… لا في المهنة فقط، بل في الإنسان.
دخلتُ مكتبه في تلفزيون المستقبل في منطقة سبيرس، وأنا أحمل رهبة الاسم قبل دفء اللقاء. كنت أظن أنني سأجلس أمام "قامة فنية"، لكنني فوجئت بأنني أجلس أمام إنسان بسيط، يُشبه الناس الذين غنّى لهم، ويشبه بيروت التي حملها في صوته.
جلسنا لأكثر من ساعة، وربما أكثر… الوقت يومها لم يكن يُقاس بالدقائق، بل بصدق الحديث. لم يكن هناك تكلّف، ولا مسافة بين صحفية مبتدئة وفنان كبير.
كان يُنصت قبل أن يتكلم، ويبتسم كأنّه يعرفك منذ زمن. حدّثني عن الفن كما لو أنه مسؤولية، وعن الوطن كما لو أنه أغنية لا تنتهي.
اكتشفت في ذلك اللقاء تواضعًا نادرًا… تواضع تلك “الهامة” التي كبرنا عليها، وارتبطت بذاكرتنا الجماعية.
لم يكن أحمد قعبور مجرد صوت نردده، بل حالة نعيشها. كيف يمكن لرمضان أن يمرّ من دون “مرحبا يا مسحّر”؟ وكيف لأي ثورة أن تُشبه نفسها من دون “أناديكم”؟
وكيف يمكن لذاكرة الجنوب أن تصمت، و“يا رايح صوب بلادي” لا تزال تُصبح أهالي النبطية كل صباح؟
هو ابن الطريق الجديدة، لكنه كان ابن كل الطرق التي تؤدي إلى الناس… إلى الوطن… إلى النضال. في صوته كانت بيروت، وفي كلماته كانت فلسطين، وفي حضوره كانت تلك البساطة التي تُشبه الحقيقة.
خرجتُ من مكتبه يومها، وأنا أحمل أكثر من مادة صحفية… كنت أحمل درسًا في التواضع، و كيف يمكن للفن أن يكون موقفًا، وللإنسان أن يبقى كبيرًا… كلما اقترب أكثر من الناس.
رحل أحمد قعبور، لكن ذلك اللقاء لا يزال حيًّا في داخلي… كأنّه أغنية لم تنتهِ بعد.


