"الركود التضخمي" راجع.. كيف يمكن التعامل معه؟

مايو 11, 2026 - 16:04
 0
"الركود التضخمي" راجع.. كيف يمكن التعامل معه؟

 مع دخول الحرب على إيران شهرها الثالث واستمرار إغلاق مضيق هرمز، تتزايد التحذيرات من عودة شبح "الركود التضخمي" إلى الاقتصاد العالمي، وسط ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وتشير تقارير اقتصادية وتحليلات مؤسسات مالية دولية إلى أن العالم يواجه مزيجا معقدا من تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار، وهو السيناريو الذي يخشاه صناع القرار منذ أزمة السبعينيات النفطية.

ما هو الركود التضخمي؟
الركود التضخمي هو حالة اقتصادية تجمع بين أمرين متناقضين عادة: الركود الاقتصادي وارتفاع التضخم في الوقت نفسه. فالركود يعني تباطؤ النمو وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة، بينما يعني التضخم ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأفراد.
وفي الظروف الطبيعية، تلجأ البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، أو خفضها لتحفيز النمو، لكن المشكلة في الركود التضخمي أن أي إجراء لمعالجة أحد الجانبين قد يزيد الآخر سوءا. ويعني ذلك عمليا أن الناس قد يدفعون أسعارا أعلى للطعام والوقود والكهرباء والإيجارات، في وقت تصبح فيه فرص العمل أقل والزيادات في الرواتب أبطأ، وهو ما يجعل الحياة المعيشية أكثر صعوبة.

كيف يؤثر على حياة الأفراد؟
لا يظهر أثر الركود التضخمي فقط في المؤشرات الاقتصادية وأسعار النفط، بل ينعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للأسر والأفراد، من تكلفة الغذاء والسكن إلى فرص العمل والادخار والاستثمار.

- ارتفاع أسعار السلع والخدمات:
يُعد ارتفاع الأسعار الأثر الأكثر وضوحا للركود التضخمي، إذ ترتفع تكاليف الغذاء والمواد الأساسية، الوقود والمواصلات، الكهرباء والطاقة، الإيجارات والخدمات.
ويحدث ذلك لأن الشركات تواجه ارتفاعا في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، فتنقل جزءا كبيرا من هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي.
ومع استمرار التضخم لفترة طويلة، تصبح الزيادات المتكررة في الأسعار عبئا يوميا على الأسر، خصوصا ذات الدخل المحدود والمتوسط.

- تراجع القدرة الشرائية:
حتى إذا بقي الراتب كما هو، فإن قيمته الحقيقية تتراجع مع ارتفاع الأسعار.
فعلى سبيل المثال، إذا ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة بنسبة 10% بينما ارتفع دخل الفرد بنسبة 2% فقط، فإن القوة الشرائية تنخفض فعليا. وهذا يعني أن الأسرة قد تضطر إلى تقليص الإنفاق على الترفيه والسفر، تأجيل شراء السيارات أو المنازل، خفض جودة بعض السلع الاستهلاكية، تقليل الادخار. وفي الحالات الحادة، قد تجد الأسر صعوبة في تغطية الاحتياجات الأساسية.

- فقدان الوظائف أو تباطؤ التوظيف:
في فترات الركود التضخمي تتراجع مبيعات الشركات وأرباحها بسبب ضعف الطلب وارتفاع التكاليف، ما يدفعها إلى تجميد التوظيف، خفض العمالة، تقليل الرواتب أو الحوافز، تأجيل التوسع والاستثمار. وتكون القطاعات الأكثر تأثرا عادة الصناعة والعقارات والتجزئة والشركات المعتمدة على الاستهلاك.
أما الشباب والخريجون الجدد، فيواجهون صعوبة أكبر في دخول سوق العمل بسبب انخفاض فرص التوظيف.

- ارتفاع تكاليف الاقتراض والتمويل: 
تحاول البنوك المركزية عادة مكافحة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة، ما يجعل الاقتراض أكثر تكلفة. ويؤثر ذلك مباشرة على القروض العقارية، وتمويل السيارات وبطاقات الائتمان، وقروض الشركات، والتمويل الشخصي.
فعندما ترتفع الفائدة تزيد الأقساط الشهرية، وترتفع كلفة شراء المنازل والسيارات، وتتراجع قدرة الشركات على التوسع، ويصبح الحصول على تمويل أصعب. وفي بعض الحالات، يؤدي ذلك إلى تباطؤ قطاع العقارات والاستثمار بشكل واضح.

- تراجع عوائد الاستثمارات: 
رغم أن بعض الأصول قد ترتفع قيمتها مؤقتا خلال التضخم، فإن حالة الركود تضغط في النهاية على معظم الاستثمارات. فالأسهم تتأثر بتراجع أرباح الشركات، بينما تتضرر السندات من ارتفاع الفائدة والتضخم، وقد تشهد العقارات تباطؤا بسبب ضعف الطلب وارتفاع التمويل.
كما أن المستثمرين الأفراد قد يتعرضون لخسائر بسبب التقلبات الحادة، وقرارات الشراء العاطفية، والمضاربات السريعة، وضعف السيولة.
وفي المقابل، تميل الأموال خلال فترات الركود التضخمي إلى البحث عن "الملاذات الآمنة" مثل الذهب أو النقد أو بعض الأصول الدفاعية، لكن حتى هذه الخيارات لا تضمن دائما تحقيق أرباح مستقرة.

- ضغط نفسي واجتماعي متزايد: 
لا يقتصر أثر الركود التضخمي على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة، والخوف من فقدان الوظيفة، وتراجع الادخار، وزيادة الديون، إلى ارتفاع مستويات القلق المالي لدى الأسر، خصوصا مع استمرار عدم اليقين الاقتصادي لفترات طويلة.
كيف يمكن للأفراد التعامل مع الركود التضخمي؟
وفق تقرير سابق للجزيرة نت، ينصح خبراء الاقتصاد باتخاذ خطوات احترازية خلال فترات الركود التضخمي، أبرزها:
- خفض الإنفاق والتركيز على الاحتياجات الأساسية.
- تجنب الديون والاقتراض غير الضروري.
- تكوين احتياطي نقدي للطوارئ.
- البحث عن مصادر دخل إضافية.
- تنويع الاستثمارات وعدم التركيز على أصل واحد، وتجنب الانسياق وراء المضاربات الجماعية في الأسهم أو الذهب أو العقارات.
ويرى خبراء أن الأزمات الاقتصادية، رغم صعوبتها، قد تخلق فرصا استثمارية مهمة لمن يمتلكون السيولة والخطط طويلة الأجل، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من القرارات العاطفية أو الاستثمار غير المدروس خلال فترات التقلب الحاد.
لماذا أعادت الحرب على إيران شبح الركود التضخمي؟
يقول تقرير لوكالة "رويترز" إن استمرار إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب على إيران أدى إلى أطول اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، ما دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات مرتفعة وأعاد المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي مصحوب بتضخم مرتفع.
وارتفع خام برنت إلى 126 دولاراً للبرميل، وهو مستوى أعلى بكثير من متوسط الأسعار خلال السنوات الأخيرة، كما يزيد بأكثر من 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. وترى مؤسسات مالية أن استمرار هذا الارتفاع قد يخفض النمو العالمي إلى ما بين 1.5% و2%، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى قرابة 5%.
ويقول محللون إن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على المستهلكين والشركات معا، إذ ترتفع تكاليف النقل والتصنيع والغذاء والأسمدة، مما يؤدي إلى تراجع الطلب وتباطؤ النمو.
وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته ‌‌للنمو الاقتصادي بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط، وأشار إلى أن العالم يتجه بالفعل نحو سيناريو أسوأ يتسم ⁠⁠بنمو أضعف كثيرا مع تعطل الملاحة ⁠⁠في مضيق هرمز.

وتشير توقعات سيناريو أسوأ الظروف، أو السيناريو القاسي، في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر عن الصندوق إلى أن من المتوقع أن يتجاوز التضخم العالمي لعام 2026 نحو 6%، مقارنة بنسبة 4.4% في السيناريو المرجعي الأكثر تفاؤلا، وهو افتراض تستند إليه توقعات الصندوق للنمو على مستوى البلدان والمناطق.