حين تتحول القوة إلى عبء: لماذا لا تنتصر إسرائيل في الحروب الطويلة؟

مايو 11, 2026 - 08:49
 0
حين تتحول القوة إلى عبء: لماذا لا تنتصر إسرائيل في الحروب الطويلة؟

كتب باسم الموسوي:

الحروب تُقاس بنتائجها، لا بضجيجها. وقد تبدو إسرائيل، للوهلة الأولى، في موقع القوة: تفوق عسكري، تكنولوجيا متقدمة، دعم دولي، وقدرة على الضرب في أكثر من جبهة. لكن ما يجري اليوم يكشف مفارقة عميقة: كلما اتسعت الحروب وطالت، كلما تآكلت القدرة على تحقيق النصر. ليس لأن القوة غير موجودة، بل لأن استخدامها خرج من منطقه الأصلي.
كانت الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على مبدأ واضح: إذا فُرضت الحرب، يجب أن تكون قصيرة، حاسمة، محدودة الأهداف. هذا المنطق لم يكن خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية. دولة صغيرة لا تستطيع أن تعيش في حالة استنزاف دائم. لذلك، كان الحسم السريع شرطًا للبقاء، لا مجرد تكتيك عسكري.
اليوم، يحدث العكس تمامًا. إسرائيل تقاتل في أكثر من ساحة، وفي أزمنة متداخلة، بلا نهاية واضحة. غزة، جنوب لبنان، سوريا، الضفة الغربية، والتوتر مع إيران—كلها جبهات مفتوحة بدرجات متفاوتة. هذا التمدد لا يعني تفوقًا، بل يكشف عن مأزق: الحرب لم تعد أداة لتحقيق هدف، بل أصبحت إطارًا دائمًا تُدار داخله السياسة.
المشكلة الجوهرية هنا هي غياب الهدف القابل للتحقيق. حين تتحول الحرب إلى سعي نحو “نصر كامل” أو “أمن مطلق”، فإنها تدخل منطقة الوهم. لا يوجد في الواقع الاستراتيجي ما يُسمّى أمنًا نهائيًا. كل ما يمكن تحقيقه هو توازنات مؤقتة، وردع نسبي، وتسويات قابلة للتعديل. أما رفع السقف إلى مستوى الإلغاء الكامل للخصم، فهو ما يجعل الحرب غير قابلة للانتهاء.
وهنا يبدأ التآكل الحقيقي. لأن الحرب الطويلة لا تُستنزف فيها الجيوش فقط، بل تُستنزف الدول. الاقتصاد يتأثر، الموارد تُستنزف، المجتمع يدخل في حالة تعب دائم، والقدرة على التخطيط للمستقبل تتراجع. ومع كل جبهة إضافية، يتضاعف هذا العبء. التفوق العسكري، في هذه الحالة، يتحول من مصدر قوة إلى عبء لوجستي وسياسي.
في الميدان، تبدو النتائج واضحة. سنوات من العمليات لم تُنهِ التهديدات، بل أعادت تشكيلها. التنظيمات التي يُفترض القضاء عليها تتكيّف، تنتشر، وتعود بأشكال مختلفة. هذا ليس فشلًا تكتيكيًا، بل نتيجة طبيعية لحرب بلا أفق سياسي. القوة تستطيع تفكيك البنى، لكنها لا تستطيع أن تمنع إعادة تكوينها في بيئة مفتوحة.
الأخطر من ذلك هو أن تعدد الجبهات يفرض على إسرائيل توزيع قوتها بدل تركيزها. كل جبهة تحتاج موارد، قرارًا، ووقتًا. ومع تراكم هذه الجبهات، يصبح الحسم في أي منها أصعب. وهكذا، تتحول الحرب إلى سلسلة من العمليات غير المكتملة، كل منها يفتح الباب لما بعده.
لكن الاستنزاف لا يتوقف عند الداخل. الحروب الطويلة تحمل كلفة سياسية متزايدة. كلما طال أمد القتال، كلما تراجعت القدرة على تبريره دوليًا. حتى الحلفاء، الذين يدعمون في البداية، يجدون أنفسهم أمام واقع يصعب الدفاع عنه. ومع الوقت، يتآكل التعاطف، وتزداد الضغوط، وتتحول الشرعية إلى ساحة صراع بحد ذاتها.
هذا البعد مهم، لأن إسرائيل لم تكن تعتمد فقط على قوتها العسكرية، بل أيضًا على موقعها في النظام الدولي. حين يتآكل هذا الموقع، تصبح القوة أقل فعالية. الحرب لا تُخاض في الميدان فقط، بل أيضًا في السياسة، والاقتصاد، والرأي العام العالمي.
ثم هناك البعد النفسي. المجتمعات لا تستطيع العيش طويلًا في حالة تعب دائم. الحرب المستمرة تُنتج قلقًا، انقسامًا، وتراجعًا في الثقة. ومع الوقت، يتحول السؤال من “كيف ننتصر؟” إلى “إلى متى سنبقى في هذه الحالة؟”. هذا التحول بحد ذاته علامة على أن الحرب فقدت معناها الأصلي.
في جوهر الأمر، الحروب الطويلة لا تُنتج انتصارًا، بل تفرض معادلة استنزاف متبادل. قد تكون إسرائيل أقوى من خصومها في كل مواجهة منفردة، لكن القوة لا تُقاس بلحظة، بل بالقدرة على الاستمرار. وفي هذا المعيار تحديدًا، تصبح الحروب المتعددة عبئًا ثقيلًا، لأنها تستنزف القدرة على التحمل أكثر مما تُحقق من مكاسب.
النصر، في النهاية، ليس مجرد تفوق عسكري، بل هو قدرة على فرض واقع مستقر بعد الحرب. وإذا كانت الحروب لا تنتهي، فهذا يعني أن هذا الواقع لم يتحقق. وبالتالي، فإن ما يبدو قوة في الحاضر، قد يتحول إلى ضعف في المستقبل.
إسرائيل اليوم أمام معادلة واضحة، حتى لو لم تُعلنها: إما العودة إلى منطق الحروب المحدودة ذات الأهداف السياسية الواضحة، أو الاستمرار في دوامة الحروب المفتوحة التي لا تنتج إلا مزيدًا من الاستنزاف. الخيار الثاني قد يبدو ممكنًا في المدى القصير، لكنه، في المدى الطويل، يقود إلى نتيجة واحدة: تآكل القدرة على تحقيق أي نصر حقيقي.
في الحروب، كما في السياسة، ليست كل قوة قادرة على الحسم. أحيانًا، تكون القدرة على التوقف هي العلامة الأوضح على امتلاك القوة. وحين تغيب هذه القدرة، تصبح الحرب دليلًا على المأزق، لا على الانتصار.