كيف تتعلمين تنظيم مشاعرك بدل قمعها؟

مايو 11, 2026 - 11:40
 0
كيف تتعلمين تنظيم مشاعرك بدل قمعها؟

 

يعتقد كثيرون أن القدرة على السيطرة على المشاعر ترتبط بطبيعة الإنسان منذ ولادته، وكأن البعض خُلقوا أكثر هدوءًا بينما يعيش آخرون أسرى العصبية والانفعال. لذلك تتكرر عبارات مثل: “هي عصبية بطبعها” أو “هو هادئ منذ الصغر”.

لكن الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن التنظيم الانفعالي ليس سمة ثابتة بالكامل، بل مهارة يمكن تطويرها وتعلّمها مع الوقت والخبرة.

فالإنسان لا يأتي إلى الحياة وهو يعرف كيف يهدئ غضبه، أو يواجه قلقه، أو يفهم مشاعره بطريقة صحية. هذه القدرة تتكوّن تدريجيًا عبر التجارب الحياتية، والبيئة المحيطة، وطريقة التعامل مع المشاعر منذ سنوات الطفولة الأولى.

ما المقصود بالتنظيم الانفعالي؟

التنظيم الانفعالي لا يعني إنكار المشاعر أو كبتها، بل القدرة على فهمها والتعامل معها بطريقة متوازنة لا تؤذي الإنسان نفسه ولا من حوله.

فالغضب مثلًا ليس المشكلة، بل الطريقة التي يتم التعبير عنه بها. والحزن ليس ضعفًا، إنما تكمن المشكلة حين يتحول إلى عجز كامل عن مواصلة الحياة اليومية.

كيف يكتسب الإنسان هذه المهارة؟

يتعلم الطفل تنظيم مشاعره من خلال البيئة التي ينشأ فيها. فعندما يجد من يحتوي مشاعره، ويساعده على فهم ما يشعر به وتهدئته، يبدأ تدريجيًا ببناء أساليب صحية للتعامل مع التوتر والانفعال.

أما إذا تربّى وسط:

الصراخ الدائم

تجاهل مشاعره

أو معاقبته بسبب تعبيره العاطفي

فقد يكبر وهو يفتقد الأدوات النفسية التي تساعده على إدارة انفعالاته بشكل صحي.

ولهذا السبب، فإن كثيرًا من ردود الفعل في مرحلة البلوغ لا تكون “طبعًا ثابتًا”، بل أنماطًا تعلّمها الإنسان مع مرور الوقت.

لماذا يواجه البعض صعوبة أكبر؟

هناك عوامل متعددة تجعل التنظيم الانفعالي أكثر تعقيدًا، مثل:

الضغوط النفسية المستمرة

الإرهاق الجسدي والعقلي

الصدمات النفسية

غياب الأمان العاطفي في الطفولة

في مثل هذه الحالات، يصبح التحكم بالمشاعر أكثر صعوبة، ليس بسبب ضعف الشخصية، بل لأن الإنسان يكون في حالة استنزاف نفسي دائم.

التنظيم الانفعالي لا يعني غياب المشاعر

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الشخص الناضج انفعاليًا لا يغضب أو لا يتأثر.

الحقيقة أن الفرق لا يكمن في غياب المشاعر، بل في طريقة التعامل معها. فالشخص المتزن نفسيًا قد يشعر بالغضب أو القلق، لكنه:

لا يندفع مباشرة في رد فعله

يحاول فهم ما يشعر به

يمنح نفسه وقتًا قبل التصرف

كيف يمكن تطوير هذه المهارة؟

تبدأ الخطوة الأولى بالوعي بالمشاعر بدل مقاومتها أو تجاهلها. كما يمكن أن تساعد بعض العادات البسيطة، مثل:

التوقف قليلًا قبل الرد أثناء الانفعال

تسمية المشاعر بوضوح

فهم المواقف التي تثير التوتر

الاهتمام بالنوم والراحة لتخفيف الاندفاع

التعامل مع النفس بلطف بدل القسوة المستمرة

ورغم أن التغيير لا يحدث بسرعة، إلا أن الممارسة والتكرار يساعدان على بناء استجابات أكثر هدوءًا واتزانًا مع الوقت.

في النهاية، التنظيم الانفعالي ليس موهبة يمتلكها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل مهارة نفسية قابلة للتعلّم والتطوير. وكلما فهم الإنسان مشاعره بشكل أعمق، وتعلّم التعامل معها بوعي بدل الانفجار أو الهروب منها، أصبحت علاقته بنفسه وبالآخرين أكثر استقرارًا وراحة.