ليلة بكى فيها وطن!

مقال يستعيد ليلة ثقيلة عاشها بلدٌ كامل تحت هدير الطائرات. بين الدخان والركام، حكايات بشرٍ يبحثون عن الأمان وسط الخوف وعدّاد الشهداء الذي لا يتوقف.

مارس 12, 2026 - 09:35
 0
ليلة بكى فيها وطن!

 كتبت هناء بلال 

 لعلها من أقسى الليالي! 
في ظلمةٍ دامسة، كان صوت الطيران يملأ المكان فوقنا ككابوسٍ يتجسّد، محلقًا على علوٍ منخفض، كأنما يسعى ليخترق قلوبنا قبل أن يطلق صواريخه في أماكن بعيدة. كانت الضوضاء تصطدم بوجداننا كإنذارٍ ثقيل، يطرق أبواب الخوف في صدورنا قبل أن يصل دويّ الانفجار إلى الآذان.
ما أبشع الانتظار! 
أن ننتظر أن تنهي المسيّرة طريقها، أن نعدّ الثواني حتى تقذف صاروخها في مكانٍ ما.
وهل نهنأ إن كان الاستهداف في مكانٍ آخر؟
أي طمأنينةٍ هذه التي تُبنى على حطام بيتٍ بعيد، أو على صرخةٍ لا نسمعها لكنها بالتأكيد وُلدت في مكانٍ ما؟
في تلك اللحظات، بدا الوطن كأنه حقل اختبارٍ مفتوح، وكأن التاريخ يعيد نفسه في حلقةٍ مفرغة من الألم.
السماء لم تعد سماءً زرقاء؛ صارت سقفًا رماديًا مثقلاً بالدخان، والليل لم يعد مجرد ظلام، بل ضبابية كثيفة تختلط فيها رائحة البارود برائحة البيوت التي كانت عامرة بالحياة.
مع أول خيط للفجر، انكشفت ملامح المشهد.
مدينةٌ يغلفها لونٌ رماديٌّ باهت، كأن الغبار اختار أن يستقر فوق كل شيء: على النوافذ المحطمة، وعلى الشرفات التي كانت تفيض بأصوات العائلات، وعلى الطرقات التي امتلأت فجأةً بصمتٍ ثقيل.


بين الركام، تتناثر تفاصيل حياةٍ كاملة:
صورة عائلية نصفها مغطى بالغبار،
دمية طفلٍ خرجت من تحت الحجارة،
وكتابٌ مفتوح على صفحةٍ لم يكمل قارئها سطرها الأخير.
الدخان يرتفع ببطء، كأنه يكتب في الهواء أسماء الذين رحلوا.


عداد الشهداء لا يتوقف، يزداد رقمًا بعد رقم، و آهات وطن ترتفع وهل من مجيب؟ 
في الشوارع، مشاهد لا يمكن للذاكرة أن تمحوها:
رجل يقف أمام ركام منزله، يفتش بيديه العاريتين بين الحجارة، كأنّه يبحث عن شيءٍ صغير يعيد له معنى البيت.


امرأة تحمل حقيبة خفيفة، تنظر حولها بعينين متعبتين، لا تبحث عن أثاثٍ ولا عن ذكريات… بل عن مكانٍ آمنٍ تنام فيه الليلة.
وأطفال يقفون صامتين، كأنهم كبروا فجأةً في ليلةٍ واحدة.


في الحرب، لا يصبح الركام مجرد حجارة.
إنه بقايا قصصٍ، وأصواتٍ، وأحلامٍ كانت تنمو بهدوء داخل الجدران.
ومع ذلك، وسط هذا الرماد، يبقى شيءٌ واحد! 
يبقى إنسانٌ يمدّ يده لآخر،
وصوتٌ يطمئن طفلاً خائفًا،
وكلمةٌ تُكتب لتشهد أن ما حدث لم يكن مجرد خبرٍ عابر.


في تلك الليلة القاسية، تجمعت الأحلام تحت رماد الخوف.
لكن الأمل، رغم كل شيء، ظل يلمع كنجمةٍ خافتة في السماء.
ورغم كل هذا الخراب…
نحن ما زلنا هنا.
ما زلنا نكتب، ونتذكر، ونحاول أن نُبقي للإنسانية مكانًا وسط كل هذا الظلام.