لسنا ملائكة… نحن مستهلكو مآسٍ!

عن جريمة تحوّلت إلى ترند، وإنسانية تُختبر على الشاشات لا في البيوت!

يناير 31, 2026 - 21:43
يناير 31, 2026 - 21:49
 0
لسنا ملائكة… نحن مستهلكو مآسٍ!

كتبت هناء بلال 

من السخافة، بل من القسوة الأخلاقية، أن تتحوّل مآسي الآخرين إلى ترند على وسائل التواصل الاجتماعي.

 قضية العاملة الأوغندية المتهمة بقتل الفنانة الراحلة هدى شعراوي خرجت سريعًا من إطارها الجنائي والإنساني، لتتحوّل إلى مادة ترويجية مشوّهة تُستَخدم لتلقين الناس "كيف يتعامل الناس مع العاملات في الخدمة المنزلية”، وكأن المعاملة الجيدة واجب يُمارَس بدافع الخوف من الجريمة لا بدافع الإنسانية.

تلك النساء لا يعبرن البحار ويفارِقن أوطانهن لأنهن مغامِرات في الظل،

بل لأن الحياة هناك لم تترك لهن خيارًا آخر.

يحملن حقائب صغيرة، وقلوبًا مثقلة،

ويأتين إلى بيوتٍ لا يعرفن عنها شيئًا،

إلا أن فيها لقمة عيش… وربما أمانًا.

خلال سنوات وجود فتاة في منزلي،

لم تكن العلاقة عقدَ عملٍ فحسب،

بل مساحة حياة مشتركة.

كنت أعتذر إن أثقلتُ يومها بالتعب 

وأؤجّل الطلب لأن التعب كان واضحًا في عينيها.كنا نجلس لشرب القهوة،

نتبادل الحكايات،ونصغي لبعضنا كما لو أن

 الوقت يتّسع لنا وحدنا.

حين أغلقت المطارات في زمن كورونا،

لم أطلب منها البقاء كعاملة،

بل كإنسانة لا يجب أن تُترك وحيدة أمام الخوف.

حتى لو تغيّرت الظروف،الامان أولاً.. 

كم دمعة سالت في أروقة المطارات عند الوداع.

كم يدٍ حملت طفلًا محمومًا في منتصف الليل،

وكم كتفٍ أسند عجوزًا حين خانته قدماه،

وكم قلبٍ بقي ساهرًا امام سرير لا يخصه الا بالرحمة. 

 مأساة الآخرين ليست مادة استهلاكية، ولا وسيلة لجذب التفاعل، ولا منصة لبث خطاب فوقي مغلّف بالنصائح.

والمعاملة الجيدة لا تُمارَس خوفًا من أن يرتكب الآخر "أبشع الجرائم"، بل لأنها واجب أخلاقي قبل أن تكون سلوكًا اجتماعيًا.

المأساة ليست عرضًا موسميًا،وليست  مادة للتلقين الأخلاقي الزائف،

ولا مرآة نرى فيها خوفنا ونبرّر فوقيتنا.

المعاملة الجيدة لا تُبنى على الرعب،

ولا تُمارَس لأننا نخشى الأسوأ،

بل لأنها الحدّ الأدنى من إنسانيتنا.

ربما السؤال الأصدق ليس:

كيف نحمي أنفسنا من الآخرين؟

بل:كيف أصبحنا بهذا القدر من البرود

نحتاج مأساة كي نتذكّر أن الآخر إنسان؟!