فوضى التواصل الاجتماعي :من يحق له التعليق؟
كتب الدكتور حسين عبد الجبار
تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتعليق، وأصبح كل من يملك حسابا يرى نفسه مخولا باطلاق الأحكام. يعلق أحيانا دون ان يقرأ الموضوع، واحيانا يقرأ سطر أو سطرين منه، واحيانا اخرى يقرأ لكن لا يستطيع ان يفهم، وغالبا يعلق دون أدنى مسؤولية أخلاقية.
التعليقات على فيسبوك وإنستغرام وغيرها ليست كلها في مستوى واحد، فبينها ما يعكس وعيا واحتراما ورغبة صادقة في الفهم والحوار، وبينها ما لا يعدو كونه (كلام شوارع)، شتائم وانفعالات وتفريغا لغضب أو فراغ نفسي، بعيدا عن أي مضمون أو فكرة مفيدة يقدمها.
من يحق له التعليق؟ وما الذي يجعل تعليقا ما مقبولا، وتعليقا آخر مرفوضا؟
التعليق، حتى في أبسط صوره، ليس فعلا بريئا بلا تبعات، انه تعبير عن موقف، وافصاح عن مستوى وعي وثقافة صاحبه. لذلك فان شروط التعليق المقبول هي:
اولا : المعرفة، لا يُفهم من هذا ان الموقف يتطلب من المعلّق أن يكون متخصصا، لكن يُفترض به على الأقل أن يقرأ المنشور ويفهم الفكرة العامة قبل ان يطلق حكمه. فاهمال الموضوع والتعليق على الصورة أو العنوان أو على أول سطرين لا ينتج رأيا، بل يوّلد انطباعا مشوها.
ثانيا : الموضوعية، أي محاولة النظر إلى الفكرة بروية، دون انفعال وتحيّز أعمى أو موقف مسبق.. لست مجبرا على تسجيل اعجاب، ولكن عليك ان ترى الصورة أو النص كاملا، لا تقتطع منه جزءا ثم تبني حكما قاسيا عليه.
ثالثا: الاحترام ،الاختلاف لا يبرر لك السخرية ولا الإهانة والتجريح. والمعلق المحترم يناقش الفكرة وليس الشخص، يعترض دون أن يسيء، وينتقد دون أن يشتم.
رابعا : التواضع، المعلق الواعي يدرك أن رأيه ليس حقيقة مطلقة، وأنه قد يخطئ وقد يصيب، وأن ما يكتبه هو وجهة نظر قابلة للنقاش، ليس حكما نهائيا يُلقى من موقع التعالي.
خامسا: الوضوح، الوضوح ايضا شرط أساسي، فالتعليق الجيد يكون مباشرا ومفهوما، يحدد موضع الاتفاق أو الاعتراض دون غموض أو لف ودوران والابتعاد عن لب الموضوع.
سادسا: الهدف من التعليق، هل كُتب للفهم والاضافة وتبادل الرأي؟ أم كُتب لاثارة الجدل والاستفزاز، أو للفت الانتباه؟
هذه هي الشروط التي علينا الالتزام بها وتطبيقها عند التعليق، خصوصا على الصفحات المحترمة. ونهمل الصفحات التي حولت وسائل التواصل الاجتماعي من مساحة للتفكير إلى رد فعل سريع، ومن رأي إلى انفعال.. ان اعادة الاعتبار للتعليق تبدأ بالتريث، والقراءة، واحترام الآخر، والتركيز على الفكرة لا على صاحبها. ومهما بدا التعليق بسيطا، فانه مسؤولية اخلاقية. ومن أراد أن يكون صوته مسموعا ومحترما، فعليه أن يختار كلماته بعناية، لانها تعبر عن موقفه، واخلاقه.


