انتخاب مجتبى خامنئي: رسالة الصلابة الإيرانية في زمن العدوان
كتب باسم الموسوي
لا يكون انتقال القيادة، في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول، مجرد حدث دستوري أو إجراء سياسي عادي، بل يصبح تعبيرًا عن مزاج الأمة وتوازنات القوة داخلها وعن الرسائل التي تريد توجيهها إلى الخارج. ومن هذا المنطلق يمكن فهم انتخاب السيد مجتبى خامنئي قائدًا للجمهورية الإسلامية في إيران من قبل مجلس خبراء القيادة. فهذه الخطوة، التي ستثير بلا شك موجة واسعة من التعليقات والاتهامات في الإعلام الدولي، لا يمكن قراءتها خارج السياق التاريخي والسياسي الذي تعيشه إيران منذ عقود، ولا خارج لحظة المواجهة المفتوحة التي تعيشها المنطقة.
من المتوقع أن تسارع وسائل الإعلام المعادية لإيران إلى تقديم هذا الحدث بوصفه “توريثًا للسلطة”، وأن تُعاد صياغة السردية القديمة التي تحاول تصوير النظام الإيراني كأنه نظام عائلي مغلق. غير أن هذا التوصيف يتجاهل حقيقة أساسية تتعلق بطبيعة النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية. فالقائد الأعلى لا يصل إلى موقعه بقرار عائلي ولا بانتقال تلقائي للسلطة، بل عبر انتخاب يجري داخل مؤسسة دستورية محددة هي مجلس خبراء القيادة، وهي هيئة منتخبة من الشعب الإيراني، وتتمثل مهمتها في اختيار القائد الأعلى ومراقبة أدائه.
وبالتالي فإن انتخاب مجتبى خامنئي – مهما كانت المواقف منه – لا يمكن وصفه قانونيًا بالتوريث، لأن المنصب لم ينتقل إليه بحكم القرابة، بل بقرار هيئة دستورية مخولة بذلك. أما الحديث عن التوريث فهو جزء من حرب خطابية وإعلامية تهدف إلى نزع الشرعية عن أي خيار سياسي تتخذه إيران في لحظة حساسة من تاريخها.
لكن المسألة في جوهرها ليست قانونية فحسب، بل سياسية ورمزية أيضًا. فإيران اليوم ليست دولة عادية تعيش انتقالًا روتينيًا في السلطة. إنها دولة تخوض منذ أكثر من أربعة عقود صراعًا مفتوحًا مع منظومة دولية معقدة تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها. هذا الصراع لم يكن سياسيًا فقط، بل تضمن عقوبات اقتصادية خانقة، وعمليات تخريب استخبارية، واغتيالات لعلماء وقادة عسكريين، فضلًا عن حرب إعلامية مستمرة تهدف إلى تشويه صورة النظام الإيراني.
في مثل هذا السياق، يصبح اختيار القيادة جزءًا من معادلة الصمود الوطني. فالدول التي تواجه ضغوطًا خارجية كبرى تميل إلى تعزيز رموز الاستمرارية والاستقرار، لأن القيادة في هذه الحالة لا تُختار فقط لإدارة الدولة، بل أيضًا لتمثيل الإرادة الوطنية في مواجهة الخصوم.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة السياسية التي يحملها انتخاب مجتبى خامنئي. فاسم “خامنئي” لم يعد مجرد اسم عائلة في الحياة السياسية الإيرانية، بل أصبح رمزًا لمرحلة طويلة من تاريخ الجمهورية الإسلامية. فالسيد علي خامنئي قاد البلاد منذ عام 1989، وخلال هذه الفترة واجهت إيران تحولات إقليمية ودولية كبرى: انهيار النظام الدولي القديم، الحروب الأميركية في المنطقة، صعود العقوبات الاقتصادية، والتحولات الجيوسياسية العميقة في الشرق الأوسط.
خلال هذه العقود، أصبح اسم خامنئي مرتبطًا في الوعي السياسي الإيراني بفكرة الصمود والاستمرارية في مواجهة الضغوط. ولذلك فإن انتخاب شخصية تحمل هذا الاسم يمكن أن يُفهم بوصفه رسالة سياسية واضحة إلى الخارج: إن اغتيال القادة أو ممارسة الضغوط القصوى لن يؤدي إلى كسر الإرادة السياسية للجمهورية الإسلامية.
هذه الرسالة تكتسب معنى إضافيًا إذا ما نظرنا إلى تاريخ المواجهة بين إيران وخصومها. فالعقود الماضية شهدت سلسلة طويلة من عمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات إيرانية بارزة، سواء في المجال العلمي أو العسكري. وقد بلغت هذه المواجهة ذروتها مع اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني عام 2020، وهي العملية التي شكّلت صدمة كبيرة في الوعي الإيراني.
في مثل هذه اللحظات، يصبح التمسك بالرموز السياسية جزءًا من رد الفعل الوطني. فالأمم التي تتعرض لمحاولات كسر إرادتها تميل إلى تعزيز الرموز التي تمثل استمراريتها التاريخية. ومن هذا المنظور يمكن فهم انتخاب مجتبى خامنئي بوصفه تعبيرًا عن إرادة سياسية تقول إن الضغوط الخارجية لن تغيّر المسار الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية.
لكن هذا الحدث لا يمكن قراءته من زاوية الصراع الخارجي فقط. فداخل إيران توجد دينامية سياسية وفكرية معقدة، تضم تيارات متعددة تتراوح بين الإصلاحيين والمحافظين والأصوليين. وقد شهدت البلاد خلال العقود الماضية صراعات سياسية حقيقية بين هذه التيارات، ظهرت في الانتخابات وفي النقاشات الفكرية حول طبيعة النظام ومستقبله.
في هذا السياق، يُشار غالبًا إلى أن مجتبى خامنئي ينتمي فكريًا إلى الاتجاه الذي كان يقوده المرجع الراحل الشيخ محمد تقي مصباح يزدي، وهو أحد أبرز المفكرين المحافظين في إيران. وقد كان مصباح يزدي معروفًا بدفاعه القوي عن الطابع الثوري للنظام وعن مفهوم ولاية الفقيه بوصفه الركيزة الأساسية للجمهورية الإسلامية.
غير أن انتماء القائد الجديد إلى هذا الاتجاه لا يعني بالضرورة أن إيران تتجه نحو تصعيد داخلي بين التيارات السياسية. فالتاريخ الإيراني الحديث يظهر أن لحظات التهديد الخارجي غالبًا ما تدفع القوى السياسية المختلفة إلى نوع من التماسك الوطني. ففي زمن الحرب العراقية الإيرانية، على سبيل المثال، توحدت معظم القوى السياسية حول هدف الدفاع عن البلاد رغم الخلافات الأيديولوجية العميقة بينها.
ومن المرجح أن يحدث شيء مشابه في اللحظة الراهنة، خصوصًا إذا كانت إيران تشعر بأنها تواجه عدوانًا أو تهديدًا مباشرًا. ففي مثل هذه الظروف، تتقدم اعتبارات الأمن القومي على الخلافات السياسية الداخلية، ويصبح الهدف الأساسي هو الحفاظ على استقرار الدولة وقدرتها على الردع.
ولهذا يمكن القول إن انتخاب مجتبى خامنئي يعكس أيضًا ما يمكن تسميته الدينامية الدفاعية للدولة الإيرانية. فالمؤسسات العسكرية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري، أصبحت خلال العقود الماضية جزءًا أساسيًا من معادلة الردع الإيرانية. وهذه المؤسسات تحتاج بطبيعتها إلى قيادة سياسية تعمل معها بانسجام استراتيجي كامل، خصوصًا في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.
فالمواجهة بين إيران وخصومها لم تعد مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل تحولت إلى صراع متعدد الأبعاد يشمل الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والإعلام. وفي مثل هذا الصراع، تصبح القيادة القادرة على إدارة هذا التعقيد عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على توازن القوى.
من هذا المنطلق، يمكن فهم لماذا اختارت إيران – في لحظة العدوان – أن تدفع بتعبيرها السياسي إلى أقصى درجات الصلابة. فالأمم التي تتعرض لعدوان وحشي تميل بطبيعتها إلى إظهار أقسى وجوهها وأكثرها قوة، لأن التراجع في مثل هذه اللحظات قد يُفسَّر بوصفه ضعفًا يشجع الخصوم على التصعيد.
لكن الصلابة لا تعني بالضرورة التصعيد العسكري أو السعي إلى الحرب. بل قد تعني ببساطة إظهار القدرة على الصمود وعدم التراجع تحت الضغط. وهذا ما حاولت إيران أن تفعله طوال العقود الماضية، سواء عبر تطوير قدراتها الدفاعية أو عبر بناء شبكة من التحالفات الإقليمية التي تمنحها عمقًا استراتيجيًا في مواجهة خصومها.
في النهاية، فإن انتخاب مجتبى خامنئي لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق التاريخي والجيوسياسي. إنه حدث يعكس لحظة سياسية خاصة تعيشها إيران، لحظة تختلط فيها الاعتبارات الدستورية بالرمزية الوطنية وبمعادلات الصراع الدولي.
وسواء اتفق المراقبون مع هذا الخيار أو اختلفوا معه، فإن من الواضح أن الجمهورية الإسلامية أرادت من خلاله إرسال رسالة واضحة: إن الضغوط والاغتيالات والحروب الإعلامية لن تغيّر طبيعة المشروع السياسي الإيراني، ولن تدفعه إلى التخلي عن رؤيته الاستراتيجية.
فإذا كان الخصوم قد اختاروا طريق العدوان، فمن الطبيعي أن تختار الأمة الإيرانية أن تظهر بوجهها الأكثر صلابة وقوة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون اسم القائد مجرد اسم، بل يصبح رمزًا لإرادة أمة قررت أن تواصل طريقها مهما كانت التحديات.


