ثوانٍ من الحرية… تعكس عقودًا من الرعب!
لحظة تحرير واحدة كانت كافية لاستحضار تاريخ طويل من الرعب، حيث كشف صوت مرتجف كيف ما زال الخوف يسكن ذاكرة الشعب السوري.
كتبت هناء بلال
عندما ظهر محمد قبنض في اللحظات الأولى من فيديو تحريره أمس، بدا المشهد وكأنه مشهد اختطاف، لا تحرير. ارتجاف صوته، التوتر في كل حركة، نظراته التي تتردد بين الشك والخوف، كانت كافية لتذكيرنا بتاريخ طويل من الرعب. في ثوانٍ معدودة، عاد الشعب السوري إلى ذاكرة مظلمة: السجون التي شوهت معالم الإنسانية، الغياب القسري، التعذيب الذي كسر أجسادًا وأرواحًا، وحرمان الأجيال من طفولتها ونعيمها البسيط.
هذا الخوف ليس مجرد إحساس عابر، بل صار جزءًا من النسيج اليومي للمواطن. حين تتحول أجهزة الأمن من حماة إلى أدوات لإخضاع المجتمع، يتراجع الفكر، وتصبح الحياة اليومية رهينة الرعب. المجتمع المريض بجراحه النفسية، يشبه الجسد الذي تعطل جهازه المناعي؛ كل يوم يزداد الضعف، كل يوم ينمو التخلف، ويتسلطن الفساد.
وفي هذا المشهد تحديدًا، نرى أثر سنوات من سياسات التخويف التي عاشها الشعب السوري، حيث لا يعرف الفرد إن كان يحق له أن يثق بإنسان آخر، أو يطمئن إلى مؤسسات الدولة. الخوف أصبح لغة مشتركة، والثقة المفقودة بين الناس وبين السلطة جعلت حتى لحظة تحرير شخص محبوب مثل محمد قبنض تتحول إلى لحظة من الرهبة.
لكن رغم كل هذا الرعب، يبقى الأمل خافتًا لكنه حيّ. الأمل في أن يعود الأمان إلى الوطن، في أن تستعيد الأجيال حقها في الحياة الطبيعية، في أن يتحول الخوف إلى حرية، والتوجس إلى طمأنينة. يبقى السؤال: متى سيأتي الأمان إلى وطن شرب من الخوف حتى ارتوى، وأكل من الرعب حتى شبع؟ متى ستشرق أيام يمكن فيها لكل إنسان أن يحلم دون أن يلتفت خلفه؟
في مجتمع طبيعي، كما في الجسد الطبيعي، تعمل أجهزة الحماية وفق القانون، فلا خوف يُثقل القلوب، ولا قيد يُوقف الأفكار. وفي مجتمع كهذا، تكون الحرية نمط حياة وثقافة عامة، لا مجرد حلم بعيد المنال. إنها دعوة لكل من عاش الرعب أن يؤمن بأن الأمان ليس مستحيلًا، وأن القلوب التي تعرف معنى الخوف قادرة على التعلّم من الألم لتستعيد الحياة.
ويبقى سؤال الشعب السوري قد شربنا من الخوف حتى ارتوينا.. وأكلنا من الرعب حتى شبعنا..
متى يا وطن سيأتي الأمان؟


