حين يعذّب المطر مدينة!
كتبت هناء بلال
(الى أرواح شهداء طرابلس)
شتاء… لماذا تمطر في بيروت يا أبي؟
المباني لا تحتاج إلى الماء كي تنمو..
لكن ثقوب المنازل يتسلّل إليها ذلك الماء الخبيث،
يهبط ليلًا من السقف قطرةً قطرة،
صوتٌ ألعنه،
لأنّه يوقظ في الذاكرة أساليب تعذيب يُقال إنّها تُمارَس في السجون.
يغرق مدخل المنزل بالمياه،
والطفل الصغير ينتظر زيارة صديقه،
فتتساقط الأمطار،
ويبقى الصديق محتجزًا في بيته،
كأنّ الخروج من الحيّ يحتاج إلى قوارب نجاة...
من جديد أسأل:
أبي… لماذا تمطر في بيروت؟
يجيب الأب:
سبحان الله الذي منحنا نعمة تعاقب الفصول.
تقلب الأحوال سنّة إلهيّة يا بنيّ؛
الليل والنهار،
الدفء والبرد،
اليسر والعسر…
كلّها صور لتقلّب حال الإنسان،
واختبار لثباته وإيمانه.
الابن فصلٌ واحد،
لكنّه تاريخ طويل من المعاناة.
ثمّة من يتألّم من البرد،
وآخر يرتجف داخل خيمته،
وبيوت تتسلّل إليها المياه،
أصحابها لا يملكون قوت يومهم،
لجؤوا إليها كسقفٍ آمن،
يسترهم من حاجة الآخرين قبل أن يسترهم من المطر.
ولكن كيف لنا أن نحمي كلّ هؤلاء من برد الشتاء؟
من صعوبة البقاء،
من ليالٍ طويلة لا ينام فيها الخوف؟
يصمت الأب قليلًا،
كأنّه يبحث عن جواب لا يجرحه،
ثم يقول:
يا بنيّ،
لا نملك أن نمنع المطر،
لكنّنا نملك أن نخفّف قسوته.
نملك يدًا تمتدّ،
ودعاءً لا يعود من السماء فارغًا.
نملك أن نكون لبعضنا سقفًا
حين تخوننا الأسقف.
الشتاء ليس مطرًا فقط،
الشتاء امتحان للقلوب:
من يكتفي باللعن،
ومن يفتح بابه،
ومن يدفئ غيره
فيفوز بالدفء.
في بيروت،
لا تمطر السماء ماءً فحسب،
إنّها تمطر أسئلة،
وتوقظ ذاكرة البيوت المتعبة،
وتكشف ما حاولنا إخفاءه
تحت إسمنت البنايات.
ويبقى الطفل واقفًا عند النافذة،
يُصغي إلى المطر،
ولا يدرك بعد
أنّ بعض الأوطان، يا أبي،
تغرق بصمت…
ولا تنجو
إلّا بالرحمة.


