التنمر المقنّع بالمزاح: قسوة تتغلغل في نسيج مجتمعنا

خبر من Goodpresslb

نوفمبر 2, 2025 - 01:43
 0
  بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش من أسوأ أطباع البشر أن يتعمد البعض منهم الاستخفاف بشخص أمام جماعة، وتحت أي صيغة، ولو كانت بمزاحٍ ظاهري، لأنه في حقيقته تنمّر مقنّع، يحمل في طيّاته تعالٍ واستعلاءً ونقصاً داخلياً يحاول صاحبه تغطيته بوسائل مؤذية ومهينة للآخرين. لقد أضحى هذا السلوك مرضاً اجتماعياً متفشياً، يصعب رصده أحياناً لكنه يترك آثاره العميقة في نفوس ضحاياه، حتى بعد مرور سنوات طويلة. ما يدفعنا اليوم إلى التوقف مطولاً عند هذه الظاهرة ليس فقط تكرارها، بل تغلغلها في بيئاتنا التعليمية، والعملية، والاجتماعية، وحتى العائلية، حيث يُمنَح المتنمّر أحياناً سلطة غير مستحقة فقط لأنه يمتلك جرأة على السخرية، أو أسلوباً "كاريكاتورياً" يُضحك البعض على حساب كرامة الآخرين. في مثل هذه البيئات، يُحرَج الضحية، ويُحمى الجاني، ويمر الموقف مرور الكرام كما لو كان نكتة عابرة، بينما هو في الحقيقة خنجر مسموم. لقد تنبّه القانون اللبناني مؤخراً إلى خطورة هذا السلوك، وأقرّ عقوبات قانونية تندرج تحت بند "جرائم التنمّر"، وهي خطوة إيجابية طال انتظارها، هدفها حماية الأفراد، وخصوصاً الفئات الأضعف، من الاستقواء المعنوي والنفسي الذي يمارسه أشخاص "قذرون" — نعم، قذرون بمعنى الكلمة — لأنهم يستخدمون اللسان لا كأداة تواصل، بل كسلاح طعن، يخدش المشاعر، ويهدم الثقة بالنفس، ويزرع بذور الكراهية داخل المجتمع. التنمر اللفظي المقنّع بالمزاح هو الأكثر شيوعاً وخطورةً في آنٍ واحد، لأنه يأتي على هيئة "نكتة" أو "دعابة" أو "تسلية"، بينما يخبئ وراءه احتقاراً واضحاً واعتداءً صريحاً على كرامة الإنسان. ومن الملاحظ أن هذا النوع من السلوك يمارسه أشخاص يتمتعون غالباً بمكانة اجتماعية أو وظيفية معيّنة، ما يمنحهم شعوراً بالتفوق، فيوظفون هذه السلطة الزائفة لقمع الآخرين، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون أدوات الرد أو الدفاع. المجتمعات التي تترك مثل هذه الممارسات تمر من دون مساءلة، هي مجتمعات تُشرعن العنف بصيغته الناعمة، وتعيد إنتاج حلقات من الكبت والقهر تتوالى على الأجيال. الأطفال الذين يتعرضون للتنمر في المدرسة، ينشأون على عقدٍ نفسية مزمنة. والموظفون الذين يُسخَر منهم في مكاتبهم، يصبحون أقل إنتاجية، وقد يختار بعضهم الانسحاب من الحياة العامة خوفاً من الإهانة المتكررة. والأسوأ من ذلك أن الضحية في كثير من الحالات يُجبر على تقبّل الإهانة تحت ذريعة "عدم امتلاكه حس الفكاهة"، أو يُلام لأنه "أخذ المزحة على محمل الجد"، وكأن المطلوب من الإنسان أن يصمت أمام إهانته، ويبتسم في وجه من يطعنه علناً. هذا المنطق المقلوب لا يمكن قبوله بأي معيار إنساني أو أخلاقي. هنا يأتي دور القانون، ولكن أيضاً دور الثقافة المجتمعية والتربية الأخلاقية. فالقانون وحده لا يستطيع أن يردع جميع أشكال التنمّر، إذا لم تكن هناك بيئة حاضنة لقيم الاحترام والمساواة. يجب أن نعلّم أبناءنا أن الضحك لا يكون على حساب مشاعر الآخرين، وأن الشجاعة الحقيقية ليست في إضحاك الناس، بل في احترامهم. كما يجب أن نفتح أبواب الحوار داخل المؤسسات التعليمية والتربوية والجامعية حول معنى الكلمة، وحدود المزاح، وآثار التنمر على الفرد والمجتمع. على الإعلام أن يتحمّل مسؤوليته كذلك، بعدم ترويج النماذج "الساخرة" التي تسخر من لهجات، أو أشكال، أو ظروف اجتماعية، لأن ذلك يعمّق فجوة الاستعلاء والاستخفاف ويبرر الاعتداء اللفظي في حياتنا اليومية. في الختام، إن ما نحتاج إليه ليس فقط قوانين رادعة، بل أيضاً مراجعة عميقة لمنظومة القيم التي نحملها ونتعامل بها. فكرامة الإنسان ليست موضوعاً قابلاً للتفاوض أو السخرية، بل حقّ أصيل يجب الدفاع عنه في كل وقت، وبكل الوسائل. فالمجتمع الذي لا يحمي أضعفه، ينهار من داخله، مهما بلغت مظاهره من رقي أو حداثة. ولنتذكر دائماً أن "الكلمة" قد تكون دواءً، وقد تكون دماراً. فلنختر أن نكون ممن يرممون، لا ممن يهدمون.