اغتيال مالك بلوط: بين الرسالة الإسرائيلية ومسار التفاوض
كتب سعد شعنين في "ام تي في":
اغتيال مالك بلوط لا يبدو حدثاً أمنياً عادياً يمكن فصله عن طبيعة الصراع القائم بين إسرائيل ولبنان، خصوصاً مع المؤشرات التي تؤكد أنّ العملية نُفذت إسرائيلياً، في سياق أمني وعسكري بات مألوفاً منذ سنوات. لكن، في المقابل، فإنّ ربط العملية مباشرة بالمفاوضات السالكة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية يبقى أمراً مختلفاً يحتاج إلى قراءة أكثر هدوءاً وواقعية.
إسرائيل، تاريخياً، لم توقف عملياتها الأمنية والعسكرية حتى في ذروة التفاوض. هذا السلوك ليس جديداً، بل يدخل ضمن عقيدتها القائمة على الفصل بين المسار الأمني والمسار السياسي. فهي تفاوض من جهة، وتواصل الضغط الميداني والاستخباراتي من جهة أخرى، انطلاقاً من قناعة لديها بأنّ التفاوض لا يعني تجميد أدوات القوة.
من هنا، فإنّ اغتيال مالك بلوط، لا يشكّل بالضرورة مؤشراً إلى سقوط المسار التفاوضي أو نسفه. على العكس، قد تعتبر إسرائيل أنّ استمرار الضغط الأمني يمنحها أوراق قوة إضافية على الطاولة، فيما ترى واشنطن أنّ إبقاء قنوات التواصل مفتوحة ضرورة لمنع الانفجار الكبير في المنطقة.
المشهد الحالي يوحي بأنّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة: تفاوض غير مباشر يتحرك ببطء، بالتوازي مع عمليات أمنية وعسكرية لا تتوقف بالكامل. وهذا التناقض الظاهري ليس استثنائياً في الشرق الأوسط، بل يكاد يكون جزءاً من قواعد اللعبة نفسها، حيث تستمر الرسائل الميدانية حتى أثناء فتح القنوات السياسية.
في لبنان، غالباً ما يُنظر إلى أي عملية إسرائيلية على أنّها محاولة لإفشال التهدئة أو ضرب فرص التسوية، لكن الوقائع الإقليمية تشير إلى أنّ القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، تدفع باتجاه منع الانزلاق إلى حرب شاملة مهما ارتفع منسوب التصعيد الأمني. لذلك، فإنّ الاغتيال لا يعني تلقائياً انهيار المسار القائم.
الأخطر على لبنان اليوم ليس فقط العملية بحد ذاتها، بل كيفية التعامل معها داخلياً. فرفع السقف السياسي والشعبي إلى حدّ اعتبار أنّ كل تصعيد يستوجب انفجاراً شاملاً قد يضع البلاد أمام مواجهة لا قدرة لها على تحمّلها، في وقت يعيش فيه اللبنانيون واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخهم.
لهذا، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد معادلة بسيطة بين “اغتيال” و”توقف مفاوضات”. إسرائيل تواصل عملياتها، وواشنطن تواصل رعايتها للمسار التفاوضي، ولبنان يقف في المنتصف، محاولاً منع تحوّل الاشتباك المفتوح إلى حرب كاملة قد تدمر ما تبقى من الدولة.


