سياسة التطبيع مع الخسارة
كتب مروان الأمين في "نداء الوطن":
لم يقتصر أثر "حزب الله" على الكلفة الباهظة التي دفعتها البيئة الشيعية، حيث سقط آلاف الضحايا وتدمرت قُرى بأكملها، بل تجاوز ذلك إلى ما هو أخطر وأعمق.
إن تداعيات سيطرته لعقود على الطائفة الشيعية لا تُقاس بحجم الخسائر فحسب، بل أيضًا بتشويهها للمفاهيم الإنسانية والأخلاقية ولمنظومة القيم التي تنظّم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وتُحدّد تفاعله مع الاحداث.
في أعقاب حرب الإسناد لغزّة، برز تعبير "السعيد" الذي يترافق مع الموت. فبدلاً من أن يكون الموت فاجعة تُحرّك مشاعر الحزن والألم، جرى تقديمه بوصفه مدخلاً إلى "السعادة".
هذا التحوّل ليس تفصيلاً عابرًا في الخطاب، بل يعكس مقاربة تُقلّل من قيمة الخسارة البشرية عبر إعادة تعريفها. فحين يتحوّل الموت إلى عنوان إيجابي، يُطرح تساؤل حول موقع الإنسان وقيمة وجوده في هذا المشروع.
وإذا ما عُدنا إلى تراث الطائفة الشيعية، نجد أن شخصيات بحجم الإمام علي بن أبي طالب والإمام الحسين بن علي لم يُقدَّما في الوعي الجمعي بوصفهما "سعداء" بعد استشهادهما، وبالتالي لا يوجد سند تاريخي لهذا التعريف. وكذلك الأمر بالنسبة إلى رموز "حزب الله" مثل راغب حرب وعباس الموسوي، وجميع قادته وعناصره الذين سقطوا في مواجهات مع اسرائيل قبل حرب الإسناد، لم يوصف أي منهم بـ"السعيد".
إذا، ما الغاية من استحداث هذا التعريف الذي فيه تشويه لمعنى الموت وبالتالي لمعنى الحياة؟
إن المسألة هنا لا تتعلق بمصطلح لغوي فحسب، بل بتداعياته على الوعي العام. فالتعامل مع الموت بهذه الخفّة، وعبر مفردات تُفرغه من معناه الإنساني، يؤدي الى التطبيع مع الخسارة، ويعيد تشكيل المشاعر الفردية والجمعية بطريقة تُضعف الإحساس بقيمة الحياة نفسها. وهذا تحديداً ما يعمل على انتاجه "حزب الله". جميع خسائرنا، البشرية والمادية، هي خسائر جانبية، لا قيمة لها، ولا بأس بتكبّدها من أجل الحفاظ على السلاح/النفوذ، والدفاع عن مشروع ولي الفقيه.
ولا يتوقف الأمر عند إعادة تعريف الموت، بل يمتد أيضًا إلى تقييد قدرة الناس على التعبير عن الغضب والقهر الناتج عن التشرد ودمار المنازل، من خلال إضفاء حكم أخلاقي على هذه المشاعر. وهكذا، يصبح القهر على الخسارة المادية موضع مساءلة: كيف يمكن التعبير عن هذا القهر في ظل من يفقدون حياتهم في ساحة القتال؟
خلاصة القول، تمكن "حزب الله" من إعادة تشكيل الوعي الجمعي. فقد أنتج ثقافة التطبيع مع الخسارة بمختلف وجوهها، البشرية منها والمادية، ودفع نحو ضبط التعبير العاطفي ضمن حدود ضيقة. فالحزن والقهر والألم، بوصفها تفاعلات إنسانية طبيعية، هي علامات ضعف وخروج عن سردية القوّة السائدة.
هذا المناخ يفضي إلى نشوء رقابة ذاتية يمارسها الأفراد على مشاعرهم قبل كلماتهم، خشية العزل أو الوصم الاجتماعي. ويتظهّر ذلك في السلوك العام، الفردي والجماعي، ومن خلال إعادة تشكيل العلاقة مع الخسارة: من تجربة تستدعي التعبير والمواساة، إلى عبء ينبغي كتمانه وإعادة تأطيره بما ينسجم مع خطاب الانتصار، ما يلغي القيمة الإنسانية للفرد وميزته التفاعلية والانفعالية، ويحوله الى رقم في آلة تعمل بشكل ميكانيكي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سياسياً فحسب، بل إنساني في الجوهر: ما الذي يبقى من المجتمع حين تُقيَّد مشاعره الإنسانية، ويُعاد تعريف الألم بوصفه خللاً ينبغي تصحيحه، لا تجربة ينبغي الاعتراف بها واحتواؤها؟


