مساعي ترامب للسلام: لقاء قريب بين عون ونتنياهو وإصرار على كسر قبضة "حزب الله" على لبنان

أبريل 24, 2026 - 07:50
 0
مساعي ترامب للسلام: لقاء قريب بين عون ونتنياهو وإصرار على كسر قبضة "حزب الله" على لبنان

 كتبت أمل شموني في "نداء الوطن":

 استقبل أمس الرئيس الأميركي دونالد ترامب سفيري لبنان وإسرائيل في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والسفيرين الأميركيين إلى لبنان ميشال عيسى، وإلى إسرائيل مايك هاكابي، لعقد جولة ثانية من الدبلوماسية المباشرة.

وأعلن ترامب عن "تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع إضافية"، واصفًا هذا الاجتماع بأنه "تاريخي"، وملمحًا إلى احتمالية عقد محادثات مباشرة وجهًا لوجه بين الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ووفقًا لمصادر أميركية فإن الهدف يتمثل في استثمار وقف إطلاق النار لإنشاء أول قناة دبلوماسية مستدامة بين البلدين منذ عقود. فإعلان ترامب، من داخل المكتب البيضاوي، عن تمديد إضافي لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، ليس مجرد وقف الأعمال العدائية فحسب، بل هو خطوة محسوبة تهدف إلى تحويل هدنة هشة إلى حملة دبلوماسية أوسع نطاقًا، وترمي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني، وكبح جماح نفوذ "حزب الله"، ودفع رؤية للسلام الإقليمي تقودها الولايات المتحدة. ولكن بينما تُصعّد الإدارة الأميركية من وتيرة دبلوماسيتها رفيعة المستوى، يواجه الاستقرار الداخلي في لبنان تحديات متصاعدة.

ويلفت مصدر دبلوماسي أميركي إلى أن ما يحدث في واشنطن هو تحدٍ لهيمنة "حزب الله" الذي لا يُعد مجرّد ميليشيا قوية فحسب، بل هو أيضًا قوة سياسية رئيسية في لبنان. ويضيف المصدر أنه من الواضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى إضعاف قبضة "الحزب" على المشهدين السياسي والأمني اللبنانيين.

ويشير دبلوماسي أميركي سابق إلى أن تمديد وقف إطلاق النار يُعد الجزء السهل من المعادلة. أما التحدي الحقيقي، فيكمن في "ممارسة الضغط على "حزب الله" من دون التسبب في انهيار لبنان". وقد بات هذا التحدي الآن في صميم السياسة الخارجية الأميركية، حيث يتولّى ترامب وكبار مستشاريه توجيه هذه العملية بشكل شخصي ومباشر.

ويمثل تحويل ملف المحادثات من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض، تصعيدًا كبيرًا في مستوى التعامل مع القضية. فقد مهدت الجولة الأولى من المحادثات، التي عُقدت في 14 نيسان في مقر وزارة الخارجية، الطريق أمام "وقف للأعمال العدائية" لمدة 10 أيام، كان من المقرر أن تنتهي مهلته في عطلة نهاية هذا الأسبوع. ولكن من خلال نقل مسار العملية إلى "الجناح الغربي" في البيت الأبيض، وإشراك فانس وروبيو وهاكابي وعيسى، تبعث إدارة ترامب برسالة مفادها أنها تسعى لتحقيق نتائج ملموسة، وليس مجرد خفض للتصعيد. قال دبلوماسيون أميركيون "إن البيت الأبيض لا يستضيف مجرد إجراءات عملية لفترات طويلة، بل يستضيف القرارات، والجداول الزمنية، وأدوات الضغط الرئاسي". ووصفوا الجولتين من المحادثات بأنهما تعكسان نهج ترامب بامتياز: تكثيف الجدول الزمني، وإضفاء طابع درامي على الرهانات المطروحة، وإجبار جميع الأطراف، سواء كانوا حلفاء أو معرقلين، على الاستجابة لاحتمالية إبرام صفقة تحت أضواء الرئاسة الأميركية.

وعلى الرغم من أجواء التفاؤل، فإن الهدنة القائمة ليست مطلقة تمامًا. إذ سمح النص الذي ينظّم فترة التوقف الأولية لإسرائيل باتخاذ "جميع التدابير اللازمة" دفاعًا عن النفس، وهو أمر شدد عليه ترامب، إذ قال "سيتعين على إسرائيل الدفاع عن نفسها إذا ما تعرّضت لإطلاق نار"، لكنه أضاف أن التحركات الإسرائيلية ستكون "حذرة" ودقيقة للغاية. في هذا الإطار، قال مسؤول عسكري سابق إن القوات الإسرائيلية قد حافظت على منطقة عازلة في جنوب لبنان، و"هذه المنطقة بمثابة حاجز وقائي ضد التصعيد، وليست اختراقا دبلوماسيًا".

ورغم أن تفاصيل الجولة الثانية لم تتبلور بعد، غير أن كلا الجانبين يسعيان لتحقيق ما هو أكثر من مجرد وقف للأعمال العدائية. ويقول دبلوماسي أميركي سابق إن اللبنانيين يطالبون بفرض قيود على العمليات الإسرائيلية، وإطلاق سراح المعتقلين، وإحراز تقدم في ملف ترسيم الحدود؛ وهي قضايا فنية تكتسب ثقلاً رمزيًا هائلاً في بيروت. وفي المقابل، تطالب إسرائيل بترتيبات أمنية دائمة تحول دون تمكين "حزب الله" من إعادة بناء قدراته العسكرية بالقرب من حدودها. وهذا الأمر يعني أن مؤسسات الدولة اللبنانية سيتوجب عليها، وللمرة الأولى، بسط سيطرتها الحصرية بشكل فعلي على الجنوب أولًا ومن ثم على كامل مساحة لبنان.

وقال السفير الإسرائيلي يخيئيل لايتر في البيت الأبيض بأن إسرائيل تسعى إلى السلام مع لبنان، وفي الوقت نفسه تلتزم بضمان الأمن لمواطنيها، مشددًا على أن تل ابيب تقف "صفًا واحدًا" مع الحكومة اللبنانية في الرغبة في تخليص البلاد من النفوذ الخبيث لحزب الله."

وفي المقابل، شددت السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض على أهمية الدور الأميركي في دعم لبنان والمساعدة في الجهود الرامية إلى تعزيز أمنه واستقراره. كما رحّبت بتمديد وقف الأعمال العدائية، معتبرةً أن هذه الخطوة تعكس التزامًا مشتركًا بخفض التصعيد وتهيئة الظروف اللازمة لمفاوضات مجدية. ودعت إلى الاحترام الكامل لإعلان وقف الأعمال العدائية، مؤكدةً أن حماية المدنيين، بمن فيهم أفراد الصحافة والعاملين في مجال الإغاثة الإنسانية، وكذلك البنى التحتية والمواقع الدينية، تبقى أولوية قصوى. وأعادت التأكيد على تمسّك لبنان بحدوده المعترف بها دوليًا.

أما ترامب، فقد جاءت تعليقاته متسمة بالتفاؤل، إذ قال واصفًا العلاقة بين إسرائيل ولبنان: "في الواقع، هما يحبان بعضهما البعض". وأضاف "ينبغي أن تكون هذه المهمة سهلة، شريطة إمكانية التوصل إلى حل لمعضلة حزب الله".

وتلفت مصادر أميركية إلى أنه بالنسبة لبيروت، يمثل الدفع الأميركي الراهن فرصة، كما يمنح انخراط البيت الأبيض الرئيس عون منبرًا دوليًا نادرًا، إذ يُقدّم عملية التواصل مع إسرائيل على أنها مسار برعاية أميركية، لا مجرّد خطوة لبنانية أحادية الجانب. "فدعوة البيت الأبيض تمنح عون غطاءً سياسيًا ما كان ليحصل عليه من أي جهة أخرى". غير أن المخاطر تبدو جسيمة. فبحسب هذه المصادر، ترتكز رؤية ترامب على فكرة أن لبنان وإسرائيل "متحدان للغاية" في مواجهة "حزب الله". أما في الواقع، فإن "الحزب" متجذر بعمق في النسيج السياسي اللبناني، وأي جهد جاد لتهميشه ينطوي على مخاطرة زعزعة استقرار النظام الطائفي الهش في لبنان.

وفي هذا السياق، قال دبلوماسي أميركي "لا يمكن ببساطة أن نتمنى زوال حزب الله وكأنه لم يكن؛ فهو ليس مجرد ميليشيا، بل هو جزء لا يتجزأ من النظام القائم". ويضيف الدبلوماسي أن "حزب الله" يمثل التناقض المحوري في هذه العملية السلمية. إذ تصف إدارة ترامب وإسرائيل "الحزب" بأنه الحاجز الرئيسي أمام تحقيق السلام، وأن التوصل إلى أي اتفاق دائم أمر مستحيل طالما احتفظ الحزب بالقدرة على التصعيد متى شاء.

وتأمل الولايات المتحدة أن يكون وقف إطلاق النار هذا بمثابة اختبار حقيقي: هل يمكن تعزيز السيادة اللبنانية بدون إشعال فتيل صراع أهلي داخلي؟ فإذا تمكنت بيروت من استغلال فترة التوقف هذه لترسيخ سلطة الدولة حيث أمكن، وتعزيز دور الجيش، حينها يمكن للمحادثات أن تتحول إلى ارتياح دبلوماسي حقيقي. أما إذا تعذر ذلك، فمن المرجح أن تؤدي هذه العملية إلى تفاقم الانقسامات القائمة أصلاً. وفي هذا الصدد، حذّر مصدر أميركي من أن "وقف إطلاق النار لا يعني تغيير السيطرة السياسية".

وربط ترامب العملية السلمية بين لبنان وإسرائيل بسياسته الأوسع تجاه إيران، مُصرّاً على أنه "من الضروري حتمًا أن تقطع إيران التمويل الذي يتلقاه حزب الله". وقد يؤدي هذا الربط إلى تعزيز أوراق الضغط على خطوط إمداد "الحزب"، غير أنه ينطوي في الوقت ذاته على مخاطرة جعل الاستقرار اللبناني رهينة لدبلوماسية الأزمات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران رغم فصل المسارات.

ولعل القضية الأكثر حساسية في هذا السياق هي قضية التطبيع بحد ذاتها. فعندما أشار الزميل الصحافي في الـ "ام تي في" أنطوني مرشاق في سؤال إلى أن مجرّد إجراء محادثات مع إسرائيل يُعد عملاً مُجرّمًا قانونيًا في لبنان، ردّ ترامب قائلاً: "حسنًا، أعتقد أنه يتعيّن علينا وضع حدّ لهذا الأمر... فهذا محض جنون". لكن مجرد الانخراط التدريجي مع إسرائيل ينطوي على مخاطرة التعرّض لردّ فعل عنيف من جانب "حزب الله" وحلفائه، الذين قد يسارعون إلى تصوير مثل هذه التحركات على أنها نوع من "التطبيع المتخفي". فبحسب خبير أميركي في الشؤون اللبنانية، يعتبر أن التحرّك بسرعة مفرطة على هذا الصعيد قد يؤدي إلى إشعال فتيل المعارضة الداخلية، في حين أن التحرك ببطء شديد قد يؤدي إلى فقدان اهتمام واشنطن وانصراف أنظارها عن الملف.

وقد ألمح ترامب إلى أن المملكة العربية السعودية ستقدّم دعمها لهذه المحادثات، قائلاً "إن السعودية دولة عظيمة... وسيكونون حاضرين وداعمين لهذه الجهود". وبالنسبة للبنان، تُعد مشاركة دول الخليج عاملاً حاسمًا وجوهريًا، يقول دبلوماسي أميركي سابق، موضحًا "إن الدعم الخليجي لا يقتصر على كونه مجرّد زخرفة دبلوماسية شكلية، بل هو عنصر أساسي في أي خطة إنعاش". وقال الدبلوماسي "قد يوفر الدعم الخليجي للبنان غطاءً سياسيًا ومساعدات مالية، لكن من غير المرجح أن يأتي هذا الدعم من دون مطالب بإصلاحات في الحكم وفرض قيود على النفوذ الإيراني".

أما بالنسبة لإسرائيل، فتُعدّ المحادثات المباشرة فرصة طال انتظارها لإعادة صياغة الجبهة الشمالية كوسيلة ضغط على "حزب الله". وقد استشهد لايتر باتفاقيات أبراهام كنموذج إقليمي، وحمّل "حزب الله" وإيران مسؤولية "جرّ لبنان إلى الحرب". في هذا الإطار، قال مصدر أميركي إن الأسابيع الثلاثة القادمة تعتبر اختبارًا حقيقيًا وأنه بدون ضبط نفس إسرائيلي، قد تتعثر الدبلوماسية اللبنانية ويتعرقل السلام.

من هنا تُجمع المصادر الأميركية على ثلاثة سيناريوات مطروحة:

1- السيناريو الأفضل: صمود وقف إطلاق النار، واجتماع عون ونتنياهو في واشنطن، وإحراز تقدم تدريجي في قضايا الحدود والأمن، مما يحفز دعمًا عربيًا ودوليًا أوسع.

2- السيناريو الأكثر ترجيحًا: انخفاض حدة العنف من دون القضاء عليه، واستمرار المحادثات بشكل متقطع، واحتفاظ "حزب الله" بنفوذ كافٍ لعرقلة التطبيع الكامل.

3- السيناريو الأسوأ: استغلال وقف إطلاق النار لتصعيد الضغط على "حزب الله"، مما يؤدي إلى ردود فعل عنيفة، وتجدد إطلاق النار عبر الحدود، وعودة العمليات الإسرائيلية واسعة النطاق - وهو أمر كارثي لتعافي لبنان.

ويُصر ترامب على أن "الاتفاق متاح"، مشددًا على أن لبنان كان يومًا ما "بلدًا عظيمًا" ويمكن "إعادة بنائه بسرعة كبيرة". وتراهن الإدارة الأميركية على أن نفوذها يمكن أن يتغلب على من يعرقلون المفاوضات. لكن السؤال الأصعب هو ما إذا كان النظام اللبناني، المُصمم لتوزيع الفيتو لا لتركيز السلطة، قادرًا على الصمود أمام ضغط عملية سلام حقيقية.

في المحصلة، ما يجب متابعته هو:

1- رد عون: هل سيقبل الرئيس اللبناني دعوة البيت الأبيض؟ ترامب يريد تحركًا "خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة".

2- استدامة وقف إطلاق النار: هل ستصمد الهدنة، خاصة مع احتفاظ إسرائيل بحرية واسعة وعدم فصل "حزب الله" مساره عن إيران؟

3- مكاسب ملموسة: هل تستطيع بيروت أن تضمن الأمن بغية حصول انسحابات إسرائيلية أو إطلاق سراح معتقلين، أو فرض قيود على عمليات الهدم، مما يعزز موقفها الداخلي؟

4- المساعدة الأميركية: يعِدُ ترامب بالقول: "سنقدم المساعدة"، غير أن التوازن بين المعونة العسكرية والعقوبات والمساعي الدبلوماسية هو ما سيُشكِّل ملامح السياسة المستقبلية تجاه لبنان.

5- رد فعل "حزب الله": هل سيلجأ الحزب إلى التصعيد عند الحدود، أم سيحشد قواه ضد المفاوضات؟

6- الدعم الإقليمي: هل ستقدّم دول الخليج ما يحتاجه لبنان من شرعية؟

من هنا تُعيد مبادرة ترامب، التي انطلقت من البيت الأبيض، صياغة المشهد اللبناني - الاسرائيلي لتُقدّمه كفرصةٍ دبلوماسيةٍ تقودها الولايات المتحدة. إن تمديد المهلة لثلاثة أسابيع يهدف إلى كسب الوقت، لا إلى إحلال السلام. ومع ذلك، يُمثّل هذا التمديد أوضح مؤشرٍ حتى الآن على أن واشنطن تعتزم نقل الملف اللبناني من مرحلة "إدارة الأزمات" إلى مرحلة "التحوّل السياسي". وستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كان بالإمكان استثمار هذه "النافذة" لتعزيز السيادة اللبنانية وإضعاف قبضة "حزب الله"، أم أن هذه العملية ستتعثر وتصطدم بالانقسامات العميقة والمستمرة التي تعاني منها البلاد. وكما لخّصها أحد الدبلوماسيين الأميركيين "الأمر لا يقتصر على وقف إطلاق النار فحسب، بل يتعلق بتغيير المعادلة برمتها".