كي لا تُدفن الحكاية تحت الركام
كتب مروان عبد العال في "الأخبار":
الهدف: آمال خليل. هنا تبدأ الحكاية، لا كترفٍ لغوي، بل كضرورةٍ أخلاقية. على طريقة شهرزاد، ليست الحكاية حيلةً للبقاء فقط، بل وسيلة لفهم ما يحدث ومنحه معنىً يتجاوز اللحظة. هكذا اعتدنا أن تسرد آمال خليل حكاياتها؛ لا لتؤجّل النهاية، بل لتمنحها معنى، ولتؤكد أن الحكاية نفسها يمكن أن تكون شكلاً من أشكال النجاة… وربما البطولة.
الهدف: آمال خليل، لأنها تكتب كمن يرفض أن يُختصر كل شيء في خبرٍ سريع. كلماتها لا تنقل الحدث فقط، بل تُعيد ترتيب الشعور تجاهه. في نصوصها، فلسطين ليست فكرة بعيدة، بل حضورٌ داخلي متجدّد، والجنوب ليس مكاناً فقط، بل إحساسٌ يُعاش يومياً. كأنها تقول إن الحقيقة، حين تُتنفَّس بصدق، تتجاوز الحدود وتصل إلى حيث يجب أن تصل.
الهدف: آمال خليل، لأننا نرى فيها أكثر من مراسلة. نرى فيها حكاية الجنوب وجنوب الجنوب، وحكاية فلسطين كما تُكتب بدمها وناسها وتفاصيلها اليومية. كانت، على نحوٍ ما، تشبه جريدة «الأخبار» التي احتضنت صوتها؛ لا تنقل الخبر فقط، بل تُعيد تعريفه وتمنحه عمقه الإنساني: صوتاً، وحرفاً، وصورةً، ونبضاً، وابتسامةً، وحركة. قبل أن تكون مراسلةً عادية، كانت ذاكرةً متمرّدة تمشي على قدمين، وصوتاً يُقيم حيث يقع الحدث، لا حيث يُختصر.كانت تعرف أن الحكايات، حين تُقال سريعاً، تفقد شيئاً من دمها. وكأنّ شهيداً مرّ من بين سطورها وترك وصيّته الثقيلة:
الهدف آمال خليل لأنها تعرف حقيقة تلك الزغاريد التي تُخفي ارتجافَ القلوب، وأن الحكايات، حين تُقال سريعاً، تفقدُ شيئاً من دمها. قال لي: لا تُصدِّق زغاريدهنَّ كلّها، فبعضُها يُقال كي لا يُسمع البكاء. وصدّقتُ أبي حين كان يقف أمام صورتي كأنّه يقف أمام مرآةٍ مكسورة، يرى فيها عمرين لا يلتقيان. قال بصوتٍ يشبه انكسار الضوء: كيف بدّلنا أدوارنا، يا بنيّ؟ كيف صرتَ الطريق وصرتُ أنا الواقف على حافّته؟ أنا أولاً… هكذا كان يجب أن يكون الترتيب، أن أمضي قبلك كي لا تحمل عنّي هذا الغياب.
في المخيم الفلسطيني كذلك، كانت آمال خليل ترى ما لا يُرى. لم تكن تكتب لتُجمِّل الألم، بل لتكشف طبقاته، ولتُبقيه يقظاً في الذاكرة الفلسطينية، عصياً على النسيان. غير أنّ هذا الصوت، الذي يكتب ليحفظ المعنى والمقاومة، كان هو الهدف في مرمى عدوانٍ وحشي لا يستهدف الجسد وحده، بل يستهدف الحكاية نفسها بوصفها شكلاً من أشكال القوة. لم تحمِها سترة الصحافة من الغدر، في سياسةٍ ممنهجة تسعى إلى إسكات كل من يحاول فضح الجرائم.
جاء الخبر قاسياً وواضحاً: آمال خليل تحت الركام، في سباقٍ مفتوح مع الوقت.
لم يكن ذلك استهدافاً عابراً، بل ملاحقةً مقصودة. شهود رأوا كيف لاحق الاحتلال الصحافيتين بعدما احتمتا من الغارة الأولى داخل منزلٍ مجاور، ليعود ويستهدف المنزل نفسه، فينهار عليهما. عندها، كانت آمال خليل قد توقّفت عن المسير، واختارت الاحتماء بما ظنّته ملاذاً. عند الساعة الثانية والدقيقة الخمسين، تواصلت مع أكثر من شخص وقالت إنها تختبئ من القصف. ثم، عند الرابعة والدقيقة السابعة والعشرين، عادت الطائرات لتقصف المكان ذاته، ومنذ تلك اللحظة انقطع الاتصال.
الهدف: آمال خليل، حتى محاولات إنقاذها لم تسلم من العدوان، إذ ألقى الطيران قنبلةً صوتية على سيارة الصليب الأحمر اللبناني، وأطلق النار عليها، ما أعاق الوصول السريع. ومع ذلك، استمرت محاولات الوصول إلى آمال خليل، بعد أن أكدت مصادر في الدفاع المدني تحديد موقعها تحت أنقاض المنزل، حيث تواصلت أعمال الحفر للوصول إليها.
لكنّ آمال خليل، في جوهرها، لم تكن شاهدةً على الحكايات فقط، بل باحثةً عنها في أماكنها الخفيّة. بين البيوت المُدمّرة والقرى المنكوبة، كانت تلاحق التفاصيل بذلك الإصرار الهادئ. كان شغفها أن تكتب عن أبطالٍ ساهموا في المقاومة من خلف الستار؛ أولئك الذين لا تذكرهم العناوين ولا تلتقطهم الكاميرات. كان لديها ميل خاص إلى الفدائيين الأوائل، إلى الأبطال المغمورين، إلى من حملوا الفكرة ومضوا بصمت، وكانت ترى في الكتابة عنهم شكلاً من أشكال الوفاء.
لم تكتفِ بالمكان القريب، بل وسّعت أفق الحكاية. تواصلت مع أيوب التونسي، وأبي السعيد الإيراني، وكوزو أوكوموتو، والفرنسية فرانسواز كيستمان، والإيطالي فرانكو فونتانا، وانحازت بقوة إلى قضية جورج إبراهيم عبدالله، وأخيراً، ومن ميدان الحرب، زفّت خبر استشهاد المناضلة الجنوبية مها أبو خليل. كانت ترى فيهم جميعاً امتداداً لسردية ثورية أممية واحدة، لا تُقاس بالهوية الضيقة، بل بالقيم التي تُعاش حتى النهاية.
لهذا، لم تكن تقبل أن تُدفن الحكاية تحت الركام. أيّ ركام، كانت ترى أنه قابلٌ للإزالة… بقوة القلم، ووضوح الفكرة، وإصرار الكتابة. كانت تكتب لتُزيح الغبار عن الوجوه التي غابت، ولتُضيء بهم صفحات جريدة «الأخبار»، كأنها تُعيدهم إلى الحياة، لا كذكرى، بل كحضورٍ مستمر.
وسط هذا المشهد، لا تعود الحكاية مجرّد نقلٍ لما حدث، بل تصبح دفاعاً عن المعنى نفسه. آمال خليل لم تكن تكتب عن الحقيقة فقط، بل كانت تعيشها. كلماتها تشبه بندولاً يقيس نبض الشعور، لا مرور الوقت، وتكرارها ليس إعادة، بل اقترابٌ دائم من جوهرٍ لا يُقال بسهولة.
القذيفة التي استهدفتها لم تكن موجّهةً إلى جسدٍ فقط، بل إلى هذا القلب. لكنّ القلب، حين يكون صادقاً، لا ينتهي بسهولة. قد ينقطع الاتصال، لكنّ الحكاية لا تعرف حدوداً ولا خطوطاً فاصلة، لأنها سردية عشقٍ لا تنقطع. تنتقل، تبقى، تنمو، وتكبر في أماكن أخرى.
ولأنها من هذا الجنوب، فإن آمال خليل لم تعد اسماً فقط، بل صارت معلماً من معالمه الخالدة، مثل بنت جبيل والخيام والطيري وشمع وعيتا الشعب ومارون الرأس؛ أمكنة لا تدفنها الغارات ولا تمحوها الجرافات، لأنها ليست حجارة فقط، بل ذاكرة وإرادة وحكاية مستمرة.
وحين وضعت آمال خليل كفّها على صدرها وأغمضت عينيها، لم تكن تهرب، بل كانت تنصت إلى نبضها، وإلى كل ما يمثّله هذا النبض. ومن هناك، من تلك اللحظة المُعلّقة بين الخوف والرجاء، تستمر الحكاية… لا لتروي ما حدث فقط، بل كي لا يكون ما حدث هو النهاية.
هكذا تبقى آمال خليل: شاهدةً… وشهيدة.
حكايةً لا تُدفن، وصوتاً لا يُردم.


