علم النفس السياسي للاستسلام: كيف يُعاد تشكيل الوعي الجماعي؟
كتب كتب باسم الموسوي:
الاستسلام في السياسة لا يبدأ عند توقيع اتفاق، ولا عند سقوط مدينة، ولا حتى عند اختلال موازين القوى ميدانيًا. الاستسلام يبدأ قبل ذلك بكثيرع: يبدأ حين يُعاد تشكيل وعي الناس بحيث يغدو التراجع فضيلة، والانكفاء حكمة، والخضوع تعقّلًا، والقبول بالأمر الواقع علامة نضج. هنا لا نكون أمام تحليل سياسي بريء، بل أمام فعل نفسي-سياسي كامل، غايته نقل الجماعة من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي، ومن موقع الإرادة إلى موقع التكيّف، ومن تصور الذات كقوة قادرة على التأثير إلى تصورها ككتلة مرهقة لا تملك إلا تخفيف الخسائر. هذا بالضبط ما يتيحه علم النفس السياسي لفهم لحظات الانكسار الكبرى: ليس فقط كيف تُهزم الجيوش أو المشاريع، بل كيف تُصنع قابلية الهزيمة داخل العقول.
تكمن أهمية علم النفس السياسي في أنه ينسف الوهم الليبرالي الساذج القائل إن الناس يتخذون مواقفهم السياسية على أساس معلومات متوازنة وحسابات عقلانية خالصة. أحد أهم خلاصاته أن السلوك السياسي كثيرًا ما يتحرك بالهوية والانفعال والإدراك الانتقائي أكثر مما يتحرك بالمصلحة المحسوبة كما يتخيل المنظور العقلاني المبسط. فالانتماءات السياسية ليست مجرد آراء في الضرائب أو الحدود أو التحالفات، بل قد تتحول إلى هويات اجتماعية كاملة تشكل كيف يرى الأفراد العالم، وكيف يستقبلون المعلومات، وكيف يشعرون تجاه خصومهم وحلفائهم، بل وكيف يفهمون أنفسهم أصلًا. حين تبلغ السياسة هذه الدرجة من التشبع الهوياتي، يصبح من الممكن هندسة الاستسلام لا بصفته قرارًا منفصلًا، بل بصفته إعادة تعريف شاملة لما هو معقول وما هو ممكن وما هو أخلاقي.
ومن هنا نفهم أن الدعوة إلى الاستسلام لا تُقدَّم عادة بصيغتها الفجّة. لا يقول الخطاب المؤثر: تخلّوا عن أنفسكم. بل يقول: كونوا واقعيين. لا يقول: اقبلوا الإذلال. بل يقول: احموا المجتمع من المزيد من الألم. لا يقول: سلّموا بحق العدو في فرض شروطه. بل يقول: أعيدوا ترتيب الأولويات. هذه اللغة ليست زينة أسلوبية، بل جزء من الصراع نفسه. فالدراسات في اللغة السياسية تؤكد أن السياسة تُخاض عبر الصياغة الاستراتيجية لتمثلات العالم الاجتماعي والمادي، وأن الفاعلين السياسيين يسعون إلى تجنيد الجمهور من خلال بناء هويته الاجتماعية، وتقديم مشروعهم كأنه التعبير الطبيعي عن مصلحته ووعيه، وتحويل رؤيتهم هم إلى ما يبدو “بديهيًا” و”منطقيًا” و”مشتركًا” بين الجميع. وبعبارة أدق: الصراع السياسي هو أيضًا صراع على الخيال العام، وعلى الكلمات التي يبدو عبرها الممكن مستحيلًا والمستحيل ممكنًا.
لهذا لا يُعاد تشكيل الوعي الجماعي للاستسلام عبر الحجة المباشرة فقط، بل عبر سلسلة عمليات متداخلة. أولها إعادة تسمية الأشياء. المقاومة تصبح “مغامرة”، والثبات يصبح “عنادًا”، والحقوق تصبح “شعارات”، والعدوان يصبح “واقعًا جيوسياسيًا”، والتسليم بشروط القوة يصبح “إدارة مسؤولية”. حين تنجح هذه العملية، لا يعود النقاش عن العدالة أصلًا، بل عن الكلفة. ولا يعود السؤال: هل ما يُطلب منا مشروع؟ بل: هل لدينا طاقة للاعتراض؟ هنا نكون قد انتقلنا من ساحة السياسة إلى مختبر التكييف النفسي.
العامل الثاني هو إنتاج التهديد بوصفه مناخًا دائمًا. أبحاث السلطوية في علم النفس السياسي تبيّن أن الاستجابات السلطوية تتغذى خصوصًا على الإحساس بتهديد التماسك الاجتماعي. فكلما شعر الأفراد بأن جماعتهم مهددة، أو أن النظام المألوف يتفكك، أو أن الحدود الرمزية للانتماء تنهار، ارتفعت القابلية لتفضيل الطاعة، ورفض الاختلاف، ودعم القادة أو السياسات المعادية للديمقراطية. وفي هذا السياق، لا يكون الخطر مجرد معطى خارجي، بل مادة سياسية يعاد تدويرها من أجل إنتاج قبول داخلي بالانضباط والخضوع. ليست الفكرة هنا أن الناس “تخاف” فقط، بل أن الخوف يُصاغ على نحو يربط السلامة بالامتثال، والنجاة بالطاعة، والاستقرار بإخماد النزاع مهما كان سببه أو طبيعته.
لكن المسألة لا تقف عند الخوف الخام. فالأبحاث نفسها تشير إلى أن السلطوية ترتبط بميل لتقديم التماسك الاجتماعي والانضباط الجماعي على الاستقلال الفردي والتنوع. وبذلك يصبح الاستسلام النفسي أكثر من مجرد تجنب للألم؛ يصبح دفاعًا عن “وحدة الجماعة” كما تُعرَّف من فوق. أي أن الفرد يُدعى إلى التخلي عن حقه في الرفض لا باسم خصمه، بل باسم جماعته نفسها: باسم المصلحة العامة، والسلم الأهلي، والواقعية الوطنية، ورفض الانقسام. وحين يبلغ هذا المنطق ذروته، يغدو الاعتراض نفسه مهددًا للوحدة، لا العدوان الخارجي أو البنية الظالمة التي أنتجت المأزق. وهنا تنقلب المعايير: من يدفع باتجاه الاستسلام يُقدَّم كحارس للنظام، ومن يقاوم يُقدَّم كمصدر للخطر.
واللافت في هذا الباب أن أبحاث السلطوية لا تقول إن كل تهديد ينتج الأثر نفسه لدى الجميع. هي تميز بين أنواع مختلفة من التهديد، وتُظهر أن “التهديد المعياري” أو “الثقافي” الذي يمس الانسجام والهوية الجماعية هو الأكثر قدرة على تعبئة ذوي الميل السلطوي. لذلك، حين يراد دفع مجتمع ما نحو القبول بالتراجع، يجري توسيع الإحساس بأن الاستمرار في الرفض سيقود إلى فوضى داخلية أو انقسام اجتماعي أو انهيار جامع، لا إلى مجرد مواجهة مع خصم خارجي. أي إن الخوف يُعاد توجيهه من العدو إلى الذات. بدل أن يُخاف على المجتمع من العدوان، يُخاف عليه من فعل الدفاع عن نفسه. هذه لحظة حاسمة في علم النفس السياسي للاستسلام: حين يصبح التهديد الحقيقي أقل حضورًا من صورة التهديد التي تُصنع حول فعل المقاومة ذاته.
العامل الثالث هو تحويل السياسة إلى هوية منزوعة الإرادة. فالدراسات حول الهويات السياسية تشير إلى أن الناس لا يتحركون غالبًا بوصفهم أفرادًا معزولين، بل باعتبارهم أعضاء في جماعات. ومن ثم فإن ما يبدو “لا عقلانيًا” من منظور المنفعة الفردية قد يكون متسقًا تمامًا مع منطق الهوية. وفي لحظات الأزمة، يستغل خطاب الاستسلام هذا المعطى بطريقتين متعاكستين: إما بتفكيك الهوية المقاومة وتحويلها إلى عبء أخلاقي أو أمني، وإما بإعادة صوغ الهوية العامة نفسها بحيث تصبح هوية خائفة، مرهقة، تبحث فقط عن الخروج بأقل الأضرار. عندها لا يكون المطلوب إقناع الناس بأن خصمهم محق، بل إقناعهم بأنهم هم لم يعودوا ذلك النوع من الجماعات القادرة على المواجهة. وهذا أخطر أشكال الهزيمة، لأنه لا يفرض على الناس ما يفعلونه فقط، بل ما يظنون أنهم عليه.
ومن أهم ما توضحه أبحاث الهوية السياسية أن التهديدات الموجهة إلى مكانة الجماعة تثير انفعالات مختلفة بحسب شدة الاندماج فيها. فالمنتمون بقوة إلى جماعة سياسية قد يستجيبون لتهديد مكانتها بالغضب، وهو انفعال يدفع إلى الفعل. أما الأضعف اندماجًا فقد يستجيبون بالقلق، وهو انفعال يدفع إلى التردد أو الانسحاب. هذه الفكرة جوهرية لفهم صناعة الاستسلام: لا يكفي بث الخوف؛ بل يجب إضعاف البنية الهوياتية التي يمكن أن تحوّل التهديد إلى غضب منظم أو فعل جماعي. لذلك تعمل الدعاية الاستسلامية غالبًا على تشتيت الروابط، وسحب الشرعية الرمزية من الأطر الجامعة، وتقديم كل فعل مقاوم بوصفه شأنًا فئويًا لا قضية عامة. كلما ضعفت الهوية المشتركة، صار القلق سيد المجال، وصار الناس أكثر استعدادًا لقبول الحلول الدنيا.
أما العامل الرابع فهو إدارة الانفعال لا عبر إلغائه بل عبر توجيهه. أبحاث العواطف في السياسة والصراعات الممتدة تظهر أن المشاعر ليست ملحقًا بالسياسة، بل وقودًا لها. الغضب، والقلق، والكراهية، والأمل، والإذلال، كلها ليست مجرد حالات خاصة، بل محركات لمواقف وسياسات واستعدادات للفعل أو الانكفاء. والخطاب الاستسلامي الذكي لا يطلب من الناس ألا يشعروا، بل يعيد برمجة ما يشعرون به واتجاهه. يخفف من غضبهم تجاه مصدر العدوان، ويرفع منسوب قلقهم من تبعات الرفض، ويضاعف شعورهم بالإنهاك، ويحوّل الأمل من أمل بالتغيير إلى أمل ضيق في النجاة الفردية أو في “الهدوء” كيفما كان الثمن. وفي الصراعات المستعصية، تشير الأدبيات إلى أن التنظيم الانفعالي قادر على تثبيت النزاعات أو فتح إمكانات مختلفة في التعامل معها؛ ما يعني أن المعركة على الوعي ليست معركة أفكار فقط، بل معركة هندسة مشاعر أيضًا.
وهنا يظهر دور الإعلام والاتصال السياسي بوصفهما جهازًا مركزيًا في إعادة تشكيل الوعي. فالدراسات الحديثة في الاتصال السياسي تؤكد أن المجال الإعلامي لم يعد يقوم فقط على نقل الرسائل، بل على بيئة شبكية مجزأة، دقيقة الاستهداف، تدمج الخصائص النفسية والاجتماعية للمستخدمين في إنتاج الرسالة نفسها. ومعنى ذلك أن خطاب الاستسلام اليوم لا يُبث بصيغة واحدة، بل يُفصَّل نفسيًا: لهذه الفئة خطاب أمني، ولهذه خطاب اقتصادي، ولهذه خطاب أخلاقي، ولهذه خطاب تعبوي ضد “التطرف” أو “الشعبوية” أو “المغامرة”. في كل حالة، ليس الهدف إقناع الجميع بنفس الحجة، بل دفع كل شريحة إلى السبب النفسي الأقرب لقبول التراجع. الإعلام هنا لا يصف المزاج الجماعي فقط، بل يشارك في بنائه وتوزيعه وترسيخه.
ويتعزز ذلك كله عبر ما تسميه دراسات معالجة المعلومات بالدوافع الاتجاهية أو “التفكير الموجَّه”. الإنسان لا يستقبل المعلومات السياسية كصفحة بيضاء؛ إنه يشفّرها ويخزنها ويستدعيها ضمن دوافع ومسبقات وانتماءات. وهذا يفسر كيف يمكن لرسالة استسلامية أن تنجح حتى حين تكون حججها ضعيفة أو متناقضة: لأنها لا تدخل الذهن من بوابة البرهان وحده، بل من بوابة الحاجة النفسية إلى تخفيف التوتر، أو الحفاظ على صورة الذات كعاقل ومسؤول، أو تجنب الشعور بالعجز الكامل. هنا يصبح “الاعتدال” قناعًا نفسيًا مريحًا، لا ضرورة لأنه صحيح بل لأنه يخفف التنافر بين الإحساس بالضعف والرغبة في الاحتفاظ بصورة أخلاقية عن النفس. ومن ثم فإن الاستسلام قد يُسوَّق أحيانًا لا كخضوع بل كسموّ أخلاقي، لا كتنازل بل كتحرر من “الانفعالية”، لا كهزيمة بل كترشيد.
غير أن أخطر ما في هذه العملية كلها أنها لا تنتج مجرد رأي عام متعب، بل ذاتًا جماعية جديدة. ذاتًا تنظر إلى القوة بارتياب وإلى المبادرة بخوف وإلى التضحية كعبء وإلى الخصم كقدر. هذه الذات لا تحتاج دائمًا إلى قمع مباشر، لأنها تكون قد استبطنته. يكفي أن يقال لها إن البديل أسوأ، وإن العالم لا يرحم، وإن موازين القوى لا تتبدل، وإن ما يسمى كرامة أو حقًا أو سيادة ليس إلا فائض لغة. عند هذه النقطة يكون الاستسلام قد أنجز عمله الأعمق: لم يعد حدثًا سياسيًا يُفرض من الخارج، بل أصبح بنية إدراك من الداخل.
لكن علم النفس السياسي لا يشرح فقط كيف يتشكل وعي الخضوع؛ بل يفتح أيضًا نافذة على إمكان مقاومته. فإذا كانت اللغة السياسية قادرة على تحويل مشروعٍ ما إلى “بديهة”، فإن اللغة المضادة قادرة على فضح هذا التنكّر، وإعادة تسمية الأشياء بأسمائها: العدوان عدوان، والإكراه إكراه، والإذلال إذلال. وإذا كان التهديد قد يُستخدم لتوليد السلطوية والانكفاء، فإن بناء هوية جماعية متماسكة قادر على تحويل التهديد إلى قدرة على الفعل بدلًا من الهلع. وإذا كانت العواطف تُدار من أجل تثبيت القبول، فهي أيضًا قابلة لإعادة التنظيم نحو الأمل الكفاحي لا الأمل المخدّر، ونحو الغضب الأخلاقي لا الكراهية العمياء، ونحو الثقة الجماعية بدل العزلة والإنهاك. وتشير الأدبيات نفسها إلى أن الأعراف الاجتماعية ليست ثابتة؛ يمكن لبيئات سياسية وثقافية مختلفة أن تجعل الميل إلى التماسك الاجتماعي يسير في اتجاهات أكثر انفتاحًا أو أكثر انغلاقًا، ما يعني أن المعركة ليست محكومة سلفًا.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يستسلم بعض الناس؟ بل: كيف تُنتج البنى السياسية والإعلامية والعاطفية واللغوية بشرًا يرون الاستسلام نهايةً طبيعية لكل صراع؟ حين نفهم ذلك، ندرك أن مقاومة الاستسلام ليست مجرد تمسك بموقف سياسي، بل دفاع عن القدرة الجماعية على الإدراك الحر، وعن الحق في تفسير العالم خارج قاموس الخوف المصنّع، وعن إمكان رفض تحويل التعب إلى عقيدة. فالهزيمة النفسية ليست واقعًا موضوعيًا، بل بناءٌ يُعمل عليه. وما يُبنى يمكن هدمه، شرط أن نرى آلياته أولًا.


