بائعُ الخبز العكّاري… حين يمتزج الرغيف بالدم والتاريخ
كتب سليم علاء الدين
في بلدٍ أُنهك بمحاولات التفتيت، وصُرفت فيه ملايين الدولارات لإشعال الفتن الطائفية، يأتيك رجلٌ بسيط يحمل الخبز فيستشهد مخالفاً كل الآمال المعقودة على تلك الفتن.
وليد رضوان رضوان، ابن عكار العتيقة، لم يكن معروفًا على صفحات التواصل الإجتماعي قبل استشهاده. هو عسكري متقاعد من الجيش اللبناني، خدم سنواتٍ في قرى الجنوب اللبناني، حيث كوّن عائلة وتزوّج امرأة جنوبية.
بعد تقاعده، لم يبتعد عن الجنوب، بل أحبه وبقي فيه ومعه فانٌ صغير، ليعمل كـ "بائع الخبز" الذي ينتظره الناس صباح كل يوم، ليس فقط للحصول على الرغيف، بل من أجل الطمأنينة التي كان يزرعها بحضوره.
منذ بداية الحرب، أصرّ إخوته وأقاربه وأصدقاؤه عليه أن يترك الجنوب، أن ينجو بنفسه. لكنه رفض. وقال بكلمات تختصر كل الحكاية:
"كل الدكاكين مسكرة، وفي عائلات عم تنطرني كل يوم الصبح حتى وصل لهن خبز ع بيوتن، إذا بدي إترك المنطقة، ما بيضل في حدا يأمّنلن خبزاتن."
حتى اللحظات الأخيرة، لم ينسَ عائلته. أرسل لهم فيديو قصير يطمئنهم أنه بخير وسيكمل طريقه، وكأن قلبه كان حاضرًا معهم رغم الخطر المحيط به.
في يوم استشهاده، كان يقوم بما يفعله كل يوم. صادف جريحًا على الطريق، توقّف ليساعده، نزل متجها نحوه.
لحظة إنسانية بسيطة، كانت كافية ليُستهدف. غارة مباشرة على رجل يحمل الخبز ويحاول إنقاذ جريح. هناك، على أرض الجنوب، ارتقى وليد، امتزج دمه بالرغيف، في مشهد يلخّص قسوة الحرب وكرامة من يعيشون فيها.
عكار والشمال: جذور المقاومة
قرار وليد بالبقاء والإصرار على توصيل الخبز ليس مجرد فعل إنساني، بل امتداد لتاريخ طويل من المقاومة. عكار والشمال عمومًا لهما حضور دائم منذ اجتياح الجنوب الإسرائيلي. ففي 16 أيلول 1982، تأسست جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول)، كتحالف قوى وطنية ويسارية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
لم يقتصر العمل على المقاومة المسلحة، بل شمل تحركات شعبية. ففي أبريل 1983، خرج سكان عكار في حلبا بمئات المتظاهرين، أغلقوا مدارسهم وأعمالهم، مطالبين بالتصدي للاحتلال وتوحيد صفوف اللبنانيين، تضامنًا مع مقاومي الجنوب. وتكررت هذه التحركات طوال السنوات التي سبقت انسحاب الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، واستمر الأمر على ذات المنوال في الحروب التالية وصولاً إلى التي نعيشها اليوم لم تبخل "خزان الجيش اللبناني" في تقديم الشهداء آخرهم العسكري في الجيش علي عجم ابن بلدة مشتى حمود ومن بعده رضوان. وطبعا لا ننسى الشهيدين وائل نعيم ومحمد السايس إضافة إلى نبيل حرب وغابي حداد المستشهدين في مواجهة قوى الاحتلال المتقدمة من صيدا إلى كلية العلوم في الثمانينات، واللذين لم يُسترجع جثمانيهما حتى يومنا هذا. كل ما سبق يوضح ويؤكد أن الشمال لم يكن مجرد متفرج، بل جزء من النسيج الوطني المقاوم.
الرغيف والمقاومة: ابن الشمال في الجنوب
في هذا السياق، يصبح اختيار وليد بالبقاء في الجنوب ليس فعل تضحية عابرًا، بل امتدادًا لتاريخ طويل من النضال. عكار والشمال عموما وعكار العتيقة خاصةً، رغم فقرها وجغرافيتها الصعبة، لم تبخل يومًا بالشهداء ولا بالمقاومين، منذ أيام جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وصولًا إلى اليوم.
وليد رضوان لم يكن فقط رجلًا يوزع الخبز، بل رمزًا حيًا لوحدة لبنان، وتضامن الشمال مع الجنوب، والتزام الإنسان بمجتمعه رغم الخطر. رجل واحد، بفان خبز، وفيديو مُطمئن لأهله، استطاع أن يفعل ما عجزت عنه السياسة، وربط الشمال بالجنوب، ليس بسلاح، بل برغيف وبقلب حاضر حتى النهاية.


