مدينةٌ تكتب وجعها بالدخان والركام!
بيروت تحت القصف في صورة مؤلمة بالأبيض والأسود تختصر حجم الدمار والحزن الذي تعيشه المدينة، حيث تختلط مشاهد الركام بالدخان وصمتٍ يروي حكاية وجع لا ينتهي
كتبت هناء بلال
حزنُ بيروت ليس عابرًا… إنّه صمتٌ ثقيلٌ يشبه صلاةً مكسورة بين أنقاض القلب.
بيروتُ اليوم لا تبكي… بل تكتفي بالصمت، كأنّ الكلام خذلها كما خذلها العالم.
ضاقت بنا السبل يا بيروت… الغمام الأسود يثقل صدرك، والأشباح تعبر في سمائك الرمادية كأنها لا تريد أن ترحل. دماء الأطفال لم تعد خبراً عابراً، بل صارت وجعاً يومياً محفوراً في الذاكرة، في الطرقات، في وجوه الناس، وفي الصمت الذي يخيّم على المدينة.
بيروت التي كانت تُشبه الضوء، صارت اليوم تُشبه الانتظار… انتظار خبرٍ يطمئن، أو هدنةٍ تُنقذ ما تبقّى من نبض. في الأزقة التي كانت تضجّ بالحياة، يسكن الخوف، وتُقفل الأبواب باكراً، ليس لأن الليل حلّ، بل لأن القلق لا ينام.
الناس هنا لا يعيشون فقط… بل يهدؤون و يحملون قلوبهم بين أيديهم، يمشون بحذر، ويخبئون دموعهم خلف وجوهٍ تعبت من التظاهر بالقوة. أمّ تبحث عن طفلها بين الأخبار، وأب يحاول أن يقنع نفسه أن الغد قد يكون أقل قسوة، وشباب يحلمون بحياةٍ بسيطة، بلا صوت قصف، بلا وجع مفاجئ.
هذه المدينة التي اعتادت أن تُجرح، تعرف كيف تضمّد جراحها، حتى لو تأخر الشفاء.
لكن الحقيقة المؤلمة، أن الصبر لم يعد كافياً. أن مدينةً بحجم بيروت لا يجب أن تُترك وحدها في هذا العتم.
وأن دماء الأطفال ليست مجرد رقم، بل جرحٌ مفتوح في ضمير العالم.
يا بيروت…
رغم كل هذا السواد، لا بدّ أن يمرّ الضوء من بين الشقوق.
لا بدّ أن يأتي صباحٌ أقل وجعاً،
لأنكِ، ببساطة، مدينة لا تعرف كيف تموت.
في صمتِك ضجيجُ وجعٍ لا يُقال… وحكاياتٌ تُدفن بلا وداع.
صمتُ بيروت ليس هدوءًا… إنّه تعبُ مدينةٍ لم تعد تجد ما تقول!


