ماذا يقول «حزب الله» وبماذا تهدّد إسرائيل؟
كتب جوني منير في "الجمهورية":
ما من أحد يستطيع أن يتكهن مسبقاً عن القرار الذي سيتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عند انتهاء مهلة الإنذار التي منحها لطهران في السادس من الشهر الجاري. فالتجارب التي سبقت تؤكّد القدرة على توقّع الخطوة التالية التي سيعتمدها. ذلك أنّ معايير ترامب السياسية تختلف كلياً عن المعايير السياسية المتبعة. ففيما كانت المفاوضات التي سبقت اندلاع الحرب دائرة عبر سلطنة عمان، وسط توقعات متفائلة بسبب خطوات تمّ التفاهم عليها، كما تؤكّد مصادر مطلعة، فاجأ ترامب العالم بضربته الجوية بالشراكة مع إسرائيل على القيادة الإيرانية.
واليوم، ثمة أجواء مشابهة. فبين الإشارات الواعدة باحتمال التوافق على تسوية لإنهاء الحرب، وبين تصاعد الإستعدادات العسكرية البرية، يبدو من الصعب جداً التكهن مسبقاً بالمسار الذي ستسلكه الأمور. فالرئيس الأميركي تحدث عن قرب انتهاء الحرب وعن طاقم جديد حلّ في الحكم، ما يوحي وكأنّه تبرير بتحقيق الهدف الأهم، وهو تغيير سلوك النظام، وكذلك فعل عدد من رجال الإدارة الأميركية. لكن الإشارة الأهم، والتي حملت مغزى، جاءت إثر صدور القرار الإيراني بفرض رسوم على البواخر وناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز. فإثر ذلك، نسبت صحيفة «وول ستريت جورنال» المحافظة عن مساعدين لترامب قولهم، إنّ الرئيس الأميركي على استعداد لإنهاء الحرب من دون فتح مضيق هرمز، والمقصود هنا من دون اعتماد خيار القوة. وأعطى هذا الخبر الإنطباع بموافقة ضمنية على فرض رسوم وفق حصص مشتركة بين واشنطن وطهران. وجاءت «هدايا» إيران بالسماح بمرور ناقلات نفط عملاقة عبر المضيق وعلى دفعتين، لتعزز الإنطباع التفاؤلي. كما أنّ كلام ترامب حول إصراره على استحواذ النفط الإيراني أوحى باحتمال أن يشمل مبدأ المحاصصة تجارة النفط الإيراني. وجاء ذلك وسط تقديرات أشارت إلى أنّ واشنطن دفعت حتى الآن ما يزيد على 36 مليار دولار كتكلفة حربية، أي بمعدل مليار دولار يومياً. وهذه الأرقام تعني كثيراً بالنسبة إلى رجل مثل ترامب.
لكن في المقابل، هنالك إشارات «حربية» كثيرة. ففيما لم يستبعد وزير الحرب الأميركي استخدام خيار القوات البرية، على رغم من إقراره بوجود خيارات أخرى عدة أمام واشنطن، كانت التعزيزات العسكرية، والتي تحاكي عملية برية، تتدفق إلى المنطقة. وقد يكون لكلام القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية فرانك ماكنزي أهمية خاصة في هذا المجال. فهو ترأس القيادة المختصة في الشأن الإيراني لسنوات عدة، وحيث شهدت تلك الفترة مراحل نزاع ولو مضبوط مع إيران وأذرعها في المنطقة. ففي مقابلة مع محطة تلفزيونية أميركية وضمن برنامج face the nation، كشف الجنرال الأميركي المتقاعد، أنّ القيادة الوسطى عملت لسنوات على إعداد خطط لشن عمليات برية داخل الأراضي الإيرانية. وأضاف أنّ هذه الخيارات العسكرية ركّزت تاريخياً على الساحل الجنوبي لإيران، وتشمل السيطرة على جزر وقواعد صغيرة عبر عمليات اقتحام سريعة، وتتضمن فرضية عملية محدودة، مع انسحاب مخطط له مسبقاً. أي أنّ العملية لا تلحظ البقاء في المكان المقصود لفترة طويلة، إلّا أنّ بعض الجزر قد يتمّ الإحتفاظ بها لتحقيق أهداف استراتيجية. وتابع ماكنزي، أنّ السيطرة على مواقع حساسة مثل جزيرة خارك النفطية، يمكن أن تشكّل ضربة موجعة لإيران، ما يؤدي إلى تجفيف مداخيل الخزينة الإيرانية والإقتصاد الإيراني بالكامل، دون الحاجة إلى تدمير البنية التحتية. لكن ماكنزي لم يستبعد تحقيق واشنطن لأهدافها من دون تدخّل بري واسع، وموضحاً أنّ النجاح يتمثل في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً والتوصل إلى اتفاقات في شأن البرنامجين النووي والصاروخي. وفيما اعتبر أنّ هذه الأهداف لا تزال قابلة للتحقق، أبدى ترجيحه أنّ إيران ستستجيب في نهاية المطاف لضغوط القوة العسكرية.
وبين خيار التفاوض أو رفع منسوب الحرب الدائرة، يقف «حزب الله» يراقب ما ستؤول إليه الأمور، وهو الذي سمع ولا يزال من طهران، أنّ الترابط سيبقى قائماً بين الجبهتين، أكان حرباً أم تفاوضاً. صحيح أنّ قيادة «حزب الله» تدرك جيداً أنّ الحرب الإسرائيلية لم تصل بعد إلى ذروتها، وأنّ الحكومة الإسرائيلية تنتظر أن تخف الحرب مع الجبهة الإيرانية لترمي بثقلها على الجبهة اللبنانية، إلّا أنّها واثقة من أنّ طهران ستعمد إلى تركيز كل قوتها الصاروخية على إسرائيل بالتعاون مع اليمن والعراق. فبعد توقف استهداف دول الخليج ستتفرّغ طهران كلياً لإسرائيل. لكن المهم هو كيف ستنتهي الحرب الأميركية مع إيران. داخل «حزب الله» ما يشبه الإطمئنان إلى الإدارة العسكرية التي تتولاها طهران لحربها مع واشنطن وتل أبيب. وهي تروي أنّ طهران تعمّدت إطلاق صاروخها الذي يصل مداه إلى 4 آلاف كلم بهدف توجيه رسالة تحذير إلى أوروبا وثنيها عن مشاركة واشنطن في حربها في مضيق هرمز. وتكشف هذه الأوساط، أنّ طهران تملك صاروخاً يصل مداه إلى 6 آلاف كلم لم تكشف عنه بعد. وتضيف، أنّ الورقة الرابحة التي امتلكها النظام الإيراني كانت بالتفاف مختلف أطياف الشعب حول قيادته، متخطّين خلافاتهم وانقساماتهم الداخلية، وواضعين انتماءهم القومي في الدرجة الأولى، على رغم من الخسائر الهائلة على مستوى المؤسسات وركائز الدولة. وتبدو قيادة «حزب الله» على ثقة بأنّ طهران لن تساوم على مستقبل الحزب، خصوصاً بعد المساندة النارية عبر الجبهة اللبنانية. وعلى رغم من المسار العسكري في الجنوب، والذي يؤشر إلى تقدّم إسرائيلي بعمق قارب 7 كلم في القطاع الشرقي، إلّا أنّ قيادة «حزب الله» تضع ذلك في سياق استدراج الجيش الإسرائيلي للوقوع في أفخاخ حرب العصابات، والتي عاد الحزب ليخوضها، بعدما تخلّى عن سياق الحرب الكلاسيكية التي كان اعتمدها في السابق. فكل شيء تغيّر وتبدّل، من الخطط إلى الإنتشار إلى طبيعة القتال إلى التخلّي عن كل شيء له علاقة بالإلكترونيات والتواصل اللاسلكي، إلى درجة أنّه يعتبر أنّه نجح في خداع القيادة العسكرية الإسرائيلية، والتخفّي عن أنظار تقنياته المتطورة والفتّاكة.
وحول التسلح والمال في ظل انقطاع خطوط الإمداد عبر سوريا، تروي مصادر مطلعة أنّ «حزب الله» نجح خلال المرحلة الماضية وخصوصاً بعد سقوط بشار الأسد، بشراء كمية ضخمة من الأسلحة من سوريا بمبالغ طائلة، وتمكّن من تهريبها إلى مستودعاته في لبنان. أما بالنسبة إلى الشق المالي، فإنّ التمويل متوافر، بدليل أنّ عناصر «حزب الله» قبضوا رواتبهم الشهرية منذ يومين وفي شكل طبيعي. لكن المؤشر الأساس يبقى حول أي نهاية سيُكتب للحرب على الجبهة الإيرانية. وفي وقت يترقب فيه الجميع تراجع مستوى اللهيب في إيران كمؤشر لارتفاعه في لبنان إلى الحدّ الأقصى. فهل «حزب الله» يعيش تفاؤلاً تضخّه إيران لأهداف تفرضها ظروف الحرب ورفع المعنويات، أم أنّه فعلاً يبني حساباته بواقعية قياساً على دروس الحرب الماضية؟ ويبدو أنّ الحزب قد وضع برنامجه السياسي لمرحلة ما بعد الحرب ربطاً بالمفاوضات التي ستجريها طهران مع واشنطن. والمقصود هنا، أنّه يريد الذهاب إلى واقع سلطوي جديد، بدءاً من تطيير الحكومة ونسف المعادلة القائمة على مستوى السلطة، سعياً لواقع دستوري جديد. وهو المطلب الجديد القديم، أي المثالثة ومتفرعاتها. لكن هل من الواقعي الرهان على ذلك وسط الظروف الحالية القائمة؟ ربما لذلك يراهن «حزب الله» على مآل الحرب على الجبهة الإيرانية وما سينتج منها.
لكن عند الضفة الأخرى، لا تبدو الصورة مشابهة للصورة التي يرسمها «حزب الله». على الأقل وفق ما نقله وزير الخارجية المصري والمتوافق مع الأجواء الفرنسية. فالوزير المصري نقل أجواء تشاؤمية تتحدث عن تعنت إسرائيلي، بأنّ لا حل في لبنان إلّا عبر العملية العسكرية، والتي تهدف إلى إنهاء القدرة العسكرية لـ«حزب الله»، عبر الوصول إلى نهر الليطاني. ونقل الوزير المصري بدر عبد العاطي عن الحكومة الإسرائيلية، تراجعها عن الموافقة على التفاوض مع لبنان حتى تحت النار، في ظل رفض الفريق الشيعي المشاركة. وفي وقت أشار إلى أنّ إسرائيل التي تفصل فيه كلياً بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، فإنّه أبدى خشيته من أن تطول الحرب على لبنان، وأن تصبح أكثر حماوة وتدميراً. ونقل عن واشنطن وتل أبيب مآخذهما على السلطة اللبنانية التي لم تنفّذ وعودها، ولم تقم بأي جهد لترجمة القرارات التي اتخذتها الحكومة. وبالتالي فإنّ الجبهة الإيرانية تعتبرها إسرائيل خاضعة للتفاهم مع واشنطن، أما الجبهة اللبنانية فحساباتها مستقلة. ويأتي ذلك في ظل توقعات بأن يرتفع لهيب الجبهة اللبنانية أكثر، وأن يمتد ذلك حتى شهر أيار وربما أبعد. وجاء موضوع السفير الإيراني ليزيد من مآخذ عجز السلطة اللبنانية على تطبيق قراراتها.
الأجواء المصرية المتشائمة تطابقت مع الأجواء الفرنسية، وهو ما جعل وزير الخارجية الفرنسي يضع اللوم على «حزب الله» ويصوغ موقفاً سلبياً تجاهه.
قد تكون الجبهة الإيرانية تتأرجح بين اختبار الديبلوماسية أو توسع رقعة الحرب، أما الساحة اللبنانية فتبدو أمام خيار وحيد، وهو ارتفاع مستوى اللهيب، أقلّه في المدى المنظور.


