بين قرار الطرد وواقع التنفيذ. .لبنان أمام تحدِّي فرض سلطته.. مصادر الخارجية لـ «اللواء «القرار استند لإتفاقية فيينا
كتبت لينا الحصري زيلع في "اللواء":
لا يزال ملف طرد السفير الإيراني من لبنان، محمد رضا شيباني موضع اهتمام باعتباره استحقاق اساسي لهيبة الدولة اللبنانية في المرحلة الراهنة، نظرًا لما يحمله من أبعاد سيادية وقانونية وسياسية متشابكة، وهو يشكل اختبارا مباشرا قدرة لبنان على فرض قراراته في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
فالأزمة، التي تصاعدت بعد قرار وزارة الخارجية اللبنانية سحب اعتماد السفير واعتباره «شخصًا غير مرغوب فيه»، لا تزال تتفاعل، رغم أن القرار استند إلى ما اعتُبر تجاوزات للأعراف الدبلوماسية وتدخّلًا في الشؤون الداخلية.
وعلى الرغم من انتهاء المهلة الرسمية التي مُنحت للسفير لمغادرة البلاد يوم الأحد الماضي، أعلنت طهران رفضها الامتثال، مؤكدة أن شيباني سيبقى في بيروت ويواصل مهامه، في خطوة اعتُبرت تحديًا مباشرًا لسيادة الدولة اللبنانية.
وفي الوقت الذي ترى فيه مصادر نيابية انه أتى متسرعاً خصوصاً ان الدولة لم تستطع حتى الساعة تنفيذ قرارها ووضعها في موقع حرج، أكدت مصادر وزارة الخارجية، عبر «اللواء»، أن قرار الطرد استند إلى مخالفة الدبلوماسي الإيراني لاتفاقية فيينا التي ترعى العلاقات الدبلوماسية بين الدولة المُرسِلة والدولة المضيفة. وأوضحت أن سحب أوراق الاعتماد جاء بعد التشاور بين رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ورئيس الحكومة.
وكشفت المصادر أن الرسالة اللبنانية، التي سُلّمت إلى القائم بالأعمال الإيراني شفهيًا وخطيًا، شددت على ضرورة عدم استخدام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في أنشطة تخالف القوانين والنظام العام في لبنان. ومن بين هذه الأنشطة ، إدارة ودعم مجموعات لبنانية لا تلتزم بقرارات الدولة، أو إدخال عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان بغطاء دبلوماسي، كما تبيّن في بعض الحالات، للقيام بأعمال تهدّد الأمن الوطني.
كما أشارت إلى أن السفارة استمرت في مخالفة نص وروحية اتفاقية فيينا، لا سيما مبدأ حسن النية، إضافة إلى عدم تقديم أجوبة صريحة خلال الاستدعاء الأول بتاريخ 13 آذار الماضي، فضلًا عن مواقف إعلامية للسفير اعتُبرت تبريرًا لدور «حزب الله» بما يتعارض مع موقف الحكومة، ما عُدّ مخالفة لقرارات الدولة.
وبناءً على هذه المعطيات، تم اتخاذ قرار سحب أوراق الاعتماد، ما يعني فقدان السفير صفته الدبلوماسية، وسقوط الحصانة عنه، وعدم صلاحية بطاقته الدبلوماسية، وإلزامه بمغادرة البلاد وفق الأصول القانونية.
في المقابل، اعتبرت مصادر سياسية « للواء» أن الرفض الإيراني للالتزام بقرار الدولة اللبنانية لا يندرج ضمن خلاف دبلوماسي تقليدي، بل يحمل رسالة سياسية مفادها أن القرار اللبناني لا يُلزم طهران، في تحدٍ مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ قراراتها.
كما أشارت المصادر الى أن تنفيذ القرار يصطدم بعائق أساسي يتمثل في الحصانة التي يتمتع بها مقر السفارة، حيث لا يمكن للقوى الأمنية اللبنانية دخوله لتنفيذ أي إجراء قسري، ما يجعل تنفيذ القرار مرتبطًا بخروج السفير من حرم السفارة، ويحوّل الأزمة إلى اختبار إرادات أكثر منه نزاعًا قانونيًا.
المصادر ابدت أسفها لمواقف رفض تنفيذ قرار الطرد، التي قادها «الثنائي الشيعي» المتمثّل بـ»حزب الله» وحركة «أمل»، رغم تمثيلهما في الحكومة، معتبرة أن ذلك يثير الاستغراب. وأشارت إلى أن هذه القوى شجّعت، بشكل مباشر أو غير مباشر، السفير الإيراني على عدم الامتثال، ما أدى إلى ازدواجية خطيرة في مرجعية القرار داخل الدولة.
وفي ما يتعلق بالخيارات المطروحة والتي يجب ان تشكل مخرجا حقيقيا لملف طرد السفير الايراني فقد تحدثت المصادر عن عدة سيناريوهات، أبرزها، قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وطرد كامل البعثة، وهو خيار سيادي لكنه يحمل تداعيات سياسية وإقليمية كبيرة، أو احتواء الأزمة عبر الإبقاء على القرار دون تنفيذ فعلي، ما يجنب المواجهة لكنه يكرّس ضعف الدولة، أو اعتماد مخرج دبلوماسي «ناعم» عبر سحب السفير طوعًا، وهو خيار لا توحي المؤشرات الحالية بإمكانية تحققه.
في المحصلة، يبدو ان القضية تجاوزت بعدها الفردي لتتحول إلى اختبار حقيقي لسيادة الدولة اللبنانية.
فالمسألة لم تعد تتعلق برفض دبلوماسي مغادرة البلاد، بل بقدرة الدولة على ترجمة قرارتها و فرض سيادتها، أو أن يتحول هذا الملف إلى سابقة تُضعف موقعها في أي مواجهة دبلوماسية أو سياسية.
وبين قرار يُعلن وتنفيذ يتعثر، تتحدد هيبة الدولة ، وقدرتها على فرض سلطتها في ملفات اكثر تعقيدا.


