في حضرة القلق… نسرق لحظات الحياة!
كيف نحمي إنسانيتنا وسط الضجيج؟ مقال وجداني عن ضحكات مخبأة، أذواق مختلفة، وحياة تُقاوم في التفاصيل..
كتبت هناء بلال
في الليل، نحن أشخاصٌ آخرون.
وجوهنا يكسوها ضوء الشاشات، وقلوبنا تتقلّب مع كل خبرٍ عاجل، مع كل خريطةٍ تتبدّل ألوانها، مع كل تهديدٍ يمرّ كظلٍ ثقيل فوق صدورنا. نتابع، نحلّل، نرتّب الخوف في عناوين، ونحاول أن نفهم ما لا يُحتمل فهمه. الليل يأخذنا إلى أقصى حدود القلق… إلى تلك المنطقة التي لا صوت فيها إلا دويّ الاحتمالات.
ثم يأتي الصباح..
لا ليُلغِي الليل… بل ليُخفيه قليلاً في جيوبنا.
ندخل المكتب، لا كمن نجا، بل كمن قرر أن يعيش رغم كل شيء. هناك، تبدأ طقوسنا الصغيرة التي لا تشبه الحرب بشيء. ضحكاتنا ليست عالية… لكنها حقيقية. ضحكات مخبّأة، كأننا نخاف أن يسمعها الحزن فيعود ليطالبنا بالصمت. نضحك، نعم، لكن بعينٍ ما زالت تراقب، وبقلبٍ لم ينسَ بعد.
نجلس حول مكاتبنا، نتبادل اللقمة كما لو أنها فعل مقاومة. قطعة خبز، رشفة قهوة، شيء بسيط جدًا… لكنه يقول: “نحن هنا… وما زلنا بشرًا.” في تلك التفاصيل الصغيرة، نعيد ترميم أنفسنا دون أن نعلن ذلك.
نختلف في أذواقنا الفنية، وكأننا نحاول أن نثبت أن لنا عوالمنا الخاصة، التي لا يمكن للحرب أن تسرقها. أحدنا يشغّل أغنية حزينة، وآخر يعترض ويختار لحنًا صاخبًا، وثالث يضحك ويقول إن الموسيقى كلها لا تشبه ما نشعر به.
نختلف… لكننا نتفق ضمنًا على شيء واحد: أننا نريد أن نشعر، بأي شكل، بأي صوت.
نتبادل الأحاديث، ننتقل من فكرةٍ لمقالٍ قادم إلى تعليقٍ عابر، من تحليلٍ جاد إلى نكتةٍ مفاجئة. الحديث ينقطع أحيانًا… ليس لأننا انتهينا، بل لأن خبرًا مرّ سريعًا في هواتفنا.. نصمت للحظة، ننظر، نبتلع القلق، ثم نعود لنكمل الجملة التي تركناها معلّقة بين خوفين.
هكذا نعيش يومنا.
بين غارةٍ تمرّ في الخلفية، وضحكةٍ تُولد رغمًا عنها.
بين خبرٍ يثقل القلب، وكلمةٍ خفيفة تُنقذه للحظات.
هل هذا تناقض؟
ربما..
لكنّه التناقض الذي يُبقينا على قيد الحياة.
لسنا منفصلين عن الواقع، ولا غافلين عنه. نحن فقط نتقن فنّ النجاة: أن نفتح نافذة صغيرة للضوء وسط هذا العتم، أن نسرق لحظة دفء من يومٍ بارد، أن نُقنع أنفسنا أن الحياة لا تزال تستحق أن تُعاش… حتى وهي تُختبر بهذه القسوة.
في المكتب، بين ضحكةٍ خجولة ولقمةٍ مشتركة، بين أغنيةٍ نحبّها وأخرى لا نفهمها، نمارس فعلًا بسيطًا لكنه عميق:
نختار الحياة.
ولعلّ هذا هو سرّنا الصغير…


