بري بين قبّعتين: "الأخ الأكبر" أو "المُنقذ"

مارس 12, 2026 - 07:27
 0
بري بين قبّعتين: "الأخ الأكبر" أو "المُنقذ"

 كتب مروان الأمين في "نداء الوطن":

 ستة صواريخ أُطلقت بعد منتصف الليل. عمليًا، لم تُحدث أي أضرار لدى الجانب الإسرائيلي. غير أن المشكلة لا تكمن في النتيجة العسكرية المحدودة، بل في أصل القرار نفسه الذي يشكل جريمة موصوفة بحق البلد وبحق الشيعة على وجه الخصوص.

لكن حتى ضمن هذا الواقع، كان يمكن على الأقل مراعاة الحد الأدنى من الاعتبارات الإنسانية تجاه الناس. فإذا كان فتح الجبهة قرارًا إيرانيًا وليس على "حزب الله" إلّا تنفيذه، فلماذا اختيار هذا التوقيت تحديدًا؟ ما الذي كان سيمنع طلب تأجيل التنفيذ إلى ساعات الصباح؟ ففعالية إطلاق الصواريخ، ورمزية فتح الجبهة، لم تكن لتتغيّر لو جرى ذلك بعد بضع ساعات.

لم يظهر أن مصير أبناء الطائفة الشيعية كان حاضرًا في الحسابات. ففي منتصف الليل، وجد الناس أنفسهم في الشوارع: عائلات، أطفال، نساء، ومسنون خرجوا من بيوتهم وسط الرعب والمصير المجهول.

ما قام به "حزب الله" لا يمكن، وفق معايير العمل العسكري أو المقاوم، تصنيفه عملية عسكرية، ولا حتى عملًا مقاومًا. فلذلك حسابات دقيقة للتوازنات والنتائج والقدرة على تحمّل الكلفة. فالأعمال العسكرية، مهما كانت دوافعها، تقوم على تقدير للقوّة والظروف والنتائج المتوقعة، وهي عناصر لسيت متوافرة في قرار فتح جبهة الجنوب، فضلًا عن أنه قرار لا يمت للمصلحة الوطنيّة، والشيعيّة، بصلة.

لذلك، أقرب توصيف لما جرى أنه فعل يقترب من منطق الانتحار. الانتحار بالذات وبالطائفة الشيعية. علمًا، أن مفهوم الانتحار في الديانة الإسلامية محرّم بشكل قاطع، ويصل لمستوى الكفر. فكيف إذا لم يقتصر الأمر على انتحار فردي، بل يمتد ليضع الطائفة الشيعية بأكملها، بكل ما تحمله من بشر ومقدّرات، في مسار انتحاري يهدّد وجودها؟

إن المأساة لا تكمن فقط في عدد الضحايا ولا بحجم الدمار الذي يتكرر يوميًا. بل تتجاوز ذلك إلى المخاطر الوجودية التي تلوح في الأفق، وإلى التبعات والأثمان السياسية الخطيرة التي ستتحمل أوزارها الطائفة الشيعية. هنا تحديدًا يبرز السؤال الأهمّ: هل الطائفة الشيعية هي ملكية خاصة لـ "حزب الله" حتى يتصرف بمصيرها كما يشاء؟ وأين الرئيس نبيه بري من هذه الكارثة؟

منذ فتح جبهة إسناد غزة، ومرورًا بحرب عام 2024، لم نتوقف عن مناشدة الرئيس بري للتدخل لإنقاذ الطائفة الشيعية من دوامة الجنون التي ورّطها فيها "حزب الله". غير أن بري اختار التموضع في موقع "الأخ الأكبر" لـ "الحزب"، بدلًا من أن يتقدم إلى موقع الحامي والضامن لمصالح الطائفة ومستقبلها.

وهكذا تدرّجت الأمور من جبهة إسناد غزة إلى حرب عام 2024، وصولًا، اليوم، إلى حرب إسناد للنظام الإيراني. في خضم هذا المسار التصاعدي، تبدو الطائفة الشيعية أمام أخطر مرحلة في تاريخها الحديث.

ينقل بعض المقرّبين من بري عنه قوله إنه لا يريد أن يكتب التاريخ أن بري كان من شق الصف الشيعي. ربما كان هذا الاعتبار مفهومًا في مراحل سابقة، لكن الواقع اليوم مختلف كليًا. فالطائفة الشيعية أمام خطر هو الأكبر في تاريخها الحديث.

وما لا يتمناه كثيرون هو أن يكتب التاريخ في يوم من الأيام عبارة أشدّ قسوة: "في اللحظة التي واجهت فيها الطائفة الشيعية تهديدًا وجوديًا، وقف الرئيس نبيه بري صامتًا، ولم يبادر لوضع "حزب الله" عند حدّ المصلحة الشيعية والوطنية".