ماذا بعد تفجير جبهة لبنان؟
كتبت وفاء بيضون في "اللواء":
بعد أيام على بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي استهلّت بموجة من الاغتيالات وعلى رأسها قائد الثورة الإيرانية المرشد السيد علي خامنئي، وكبار قادة الحرس والأركان في الجيش الإيراني، بدأت تلوح معالم تغيير جيو-سياسي على وقع تحريك كافة الجبهات ذات الصلة، ولا سيما ان الرد الإيراني تجاوز في العرف العسكري مصالح أميركا وقواعدها، الى مراكز ونقاط اعتبرتها دول الخليج عدوانا على سيادة أراضيها، رغم تبريرات الجانب الإيراني وتأكيده على ان هذه الدول ليست هي المستهدفة بل القواعد وغرف العمليات التي تدير الحرب ضدها، لتترك أولى تداعياتها جوا متشنّجا ومشحونا أعاد خلط أوراق العلاقات بين «طهران وعواصم دول الخليج العربي»، وعودة عقارب الودّ وحسن الجوار الى مربع، يشبه الحرب التي نشبت بُعيد انتصار الثورة بين «إيران والعراق»، بفارق ان صدام حسين آنذاك لم يكن يشرك معه جبهات عربية سوى الاستفادة من خطوط الامداد والدعم اللوجستي، في وقت كانت معظم هذه الدول تنأى بنفسها عن التورّط بحرب لا ترغبها.
مصادر مطّلعة تقول: «ان قدرة هذه الدول على منع استعمال أجوائها أو قواعدها كان مستحيلا في الحرب الدائرة بين الثنائي الأميركي - الإسرائيلي وإيران»، لعدة أسباب تجعلها عاجزة عن ضمان عدم استعمال هذه القواعد، أولها ان التموضع الأميركي العسكري في الخليج يأتي لسببين: الأول حماية هذه الدول كما تقول أميركا من أي خطر إيراني مباشر أو عبر أذرعها في اليمن والعراق، والثاني تشبيك المصالح الأميركية الخليجية وخاصة دول الاتفاقات الابراهيمية التي حدّدت مساراتها السياسية باتجاه التطبيع وتصفير المشاكل مع الكيان الإسرائيلي، علما ان دولا خليجية نافذة كانت وما زالت ترغب بحل المعضلة الأميركية - الإيرانية دبلوماسيا، وما زالت تتوخى هذا المسار، إلّا ان الحرب أطاحت بكل مسارات الحلول، وان خيّمت عليها أجواء تفاؤل قبيل انفلات الأمور نحو المواجهة.
وتضيف المصادر، ان الولايات المتحدة كانت بدورها ترغب بحلول عقابية أخرى بالاقتصاد والحصار رغم مواقف الرئيس ترامب، الذي لوّح باستعمال العصا غير ان الاندفاعة الإسرائيلية قدّمت الحل العسكري على أي حل آخر، وهذا ما جعل الأزمة أكثر انتفاخا لحد الانفجار الكبير.
في المسار الآخر، تتابع المصادر ان انعكاس هذه الحرب غير المعلومة النتائج حتى الآن في ميزان الربح أو الخسارة لكلا الأطراف المتحاربة، دفع بالتوقيت المحسوب لدى حلفاء إيران، وخاصة «حزب لله» تحريك الجبهة اللبنانية - الفلسطينية من بوابة الثأر للسيد الخامنئي، لما يمثل من قيمة معنوية ودينية لشريحة واسعة من الطائفة الشيعية بالإضافة الى استناد الحزب على تجربة الخمسة عشر شهرا من وقف اطلاق النار، وعدم التزام إسرائيل به ما استدعى، بغض النظر عن التوقيت الذي جاءت به، فتح جبهة الجنوب ردّا من قبل الحزب كما جاء على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم.
ما يعيد المشهد حسب المراقبين الى جبهة إسناد غزة، وهذا ما تنطلق منه أوساط سياسية لبنانية داخلية برفضها إزدواجية السلاح، وجعل لبنان من جديد منصات إسناد لحروب خارجة عن الأهداف اللبنانية حسب تقديرها، فيما تقول المقاومة انها تدافع عن سيادة الأرض بوجه استفحال التجاوزات والخروقات الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ بدء وقف اطلاق النار في السابع والعشرين من نوفمبر عام 2024.
ما يضع لبنان أمام سيناريوهات، أولى ملامحها هو ان القرار 1701 بات خارج التداول، ولا يشكّل إطارا لهدنة أو تفاهم بين لبنان وإسرائيل. والبحث اليوم بات يتعلق بآلية جديدة تفرضها الوقائع الميدانية ما يعني ان ترتيب المشهد في المنطقة أمر تحسمه المعركة، وتؤثر من خلال نتائجها بخلط الأوراق أو استعادة الاصطفافات بين المحورين المتنازعين.


