وطنٌ يتدرّب كل يوم على النجاة
قلب توقّف في مطار إسطنبول… لكن القلوب في لبنان ما زالت تحاول التكيّف مع الخوف اليومي وأصوات الحرب التي لا تهدأ.
كتبت هناء بلال
أحزنني خبر وفاة المدرب التركي للفريق النبيذي العريق بعدما غادر لبنان مثقلاً بالخوف…
هرباً من حربٍ لم يخترها، ومن أخبارٍ صارت أثقل من القلب.
وفي مطار إسطنبول، قبل أن يصل إلى برّ الأمان، توقّف قلبه فجأة… كأن التعب الذي تأخر في اللحاق به، أدركه أخيراً.
حين قرأت الخبر، لم أفكر بالموت وحده…
فكرتُ بالأطفال الذين ما زالوا هنا.
كيف يعتاد أطفال هذا البلد على فكرة الحرب؟
كيف يصبح صوت الانفجار جزءاً من ضجيج الحياة اليومية؟
كيف يتابع حصصه المدرسية عن بعد ما بين غارة وغارة؟
كيف ينام طفلٌ على صوت القصف، ويستيقظ على خبرٍ عاجل، ويُطلب منه بعد ذلك أن يتخطى كل ذهول الحرب ويضع حقيبته على ظهره و يذهب إلى المدرسة كأن شيئاً لم يحدث؟
تساءلتُ طويلاً:
هل يملك الإنسان جهازاً مناعياً ضد الخوف؟
هل يتعلّم الجسد أن يتجاهل دقات القلب المتسارعة مع كل صفارة إنذار؟
هل يتأقلم الجهاز العصبي "اللبناني" مع الخرائط التي تحدد أماكن الغارات، ومع الأخبار التي تتدفق كل ساعة؟
يقول العلم إن الجسد، حين يشعر بالخطر، يطلق سيلاً من هرمونات التوتر، فيتسارع النبض، ويتأهب الجسد للدفاع أو الهروب.
ومع تكرار الخوف، يحاول الجهاز العصبي أن يتكيّف… أن يخفف حدّة الاستجابة، كأن الجسد يبني طبقة صامتة من التحمل، حتى لا ينهار مع كل صدمة جديدة.
لكن هذا التكيّف ليس سلاماً حقيقياً… بل تعبٌ طويل يتراكم في الأعصاب والقلوب.
أم أننا فقط… نتعب من الخوف،
فنسمّيه اعتياداً؟
ربما لا يعتاد الإنسان الحرب حقاً،
بل يخبّئ خوفه في مكانٍ عميق من روحه،
ويواصل العيش… لأن الحياة، رغم كل شيء، لا تنتظر أحداً.
لكن ما أعرفه جيداً،
أن قلباً واحداً توقّف في مطارٍ بعيد،
بينما قلوبٌ كثيرة هنا ما زالت تحاول أن تتعلّم
كيف تخفق…
في وطنٍ يتدرّب كل يوم على النجاة.


