"لبسوه بدلة رقص": بين الدراما وإهانة الإنسان: من يروّج لخيال الجريمة؟
مشهد “بدلة الرقص” يثير جدلًا واسعًا حول حدود الدراما ومسؤولية المحتوى، بين حرية الإبداع وكرامة الإنسان، في ظل تصاعد القلق من تأثير مشاهد الإذلال وتمجيد العنف على وعي الشباب
كتبت هناء بلال
في زمنٍ صار فيه المشهد أسرع من الفكرة، والصدمة أقوى من المعنى، نتساءل: كيف تتحوّل كرامة الإنسان إلى أداة جذب بصري؟ وكيف تُسوَّق مشاهد مستوحاة من أعمال درامية مثل الأسطورة بطولة محمد رمضان، حين تُنزَع من سياقها الفني وتُعاد صياغتها في واقعٍ هشّ، فتغدو أقرب إلى إذلالٍ علني لا إلى معالجة درامية؟
ليست المشكلة في الدراما بحد ذاتها. فالدراما مرآة، وقد تكون مشرطًا يكشف أمراض المجتمع. لكنها تتحوّل إلى عبء أخلاقي حين تُقدِّم العنف في صورة بطولة، أو تجعل من المجرم أيقونةً شعبية، أو تُعيد إنتاج مشاهد الإهانة بوصفها مادة للضحك أو “الترند”. هنا لا نكون أمام فنٍّ يناقش ظاهرة، بل أمام صناعة تُعيد تدوير الصدمة لتضمن نسب مشاهدة أعلى.
في حادثة الشاب في القليوبية في بنها، التي هزّت الرأي العام، عاد السؤال القديم بصيغة جديدة: هل تُغذّي الدراما خيال المجرم؟
الإجابة ليست بسيطة. لا يمكن اختزال الجريمة في مسلسل، ولا تعليق المسؤولية على عمل فني واحد. فالمجرم لا يُصنع في شاشة، بل في بيئة كاملة: هشاشة اجتماعية، عنف مُطبّع، إحباط اقتصادي، غياب وعي نقدي. لكن، في المقابل، لا يمكن إنكار أن الصورة المتكررة تصنع ألفة، وأن تكرار مشاهد الانتقام قد يُطبع في الذاكرة بوصفه سلوكًا ممكنًا، بل مُبرَّرًا.
الرقابة التقليدية غالبًا ما تفتّش عن الألفاظ الصريحة والمشاهد الدموية، لكنها أقل قدرة على قياس أثر “تمجيد الجريمة” أو تسليع الإهانة. فالخطر اليوم ليس في العنف المباشر فقط، بل في إعادة إنتاجه بوصفه عرضًا ترفيهيًا، أو قالبًا ساخرًا، أو مادةً قابلة للمشاركة السريعة.
المأزق أعمق من مشهد. نحن أمام ثقافة تسويق تقوم على الصدمة، وعلى اختبار حدود الذوق العام. وكلما صمت الجمهور، توسّعت الحدود. وكلما ارتفع التفاعل، تكرّرت الفكرة.
المطلوب ليس المنع الأعمى، ولا شيطنة الفن، بل إعادة الاعتبار للسؤال الأخلاقي:
ما الذي نروّجه حين نعيد تمثيل الإهانة؟
وماذا نزرع في وعي جيلٍ يتلقّى الصورة قبل أن يتعلّم تفكيكها؟
المعركة الحقيقية ليست بين الفن والرقابة، بل بين القيمة والابتذال. بين دراما تكشف الألم لتعالجه، وأخرى تعيد إنتاجه لتبيعه.
وحين تصبح كرامة الإنسان مادةً للتصوير، فإن الخسارة لا تقع على الضحية وحدها، بل على المجتمع بأكمله


